فقه الغسل

تاريخ الإضافة 7 سبتمبر, 2019 الزيارات : 3657

فقه الغسل

الغسل معناه : تعميم البدن بالماء ، وهو مشروع ، لقول الله تعالى :

( وإن كنتم جنبا فاطهروا ) المائدة 6 وقوله تعالى : ( ويسألونك عن المحيض قل هو أذى ، فاعتزلوا النساء في المحيض ، ولا تقربوهن حتى يطهرن ، فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ، إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) سورة البقرة آية : 222

 

وله مباحث تنحصر فيما يأتي :

يجب الغسل لأمور خمسة :

( الأول ) خروج المني بشهوة في النوم أو اليقظة من ذكر أو أنثى :

لحديث أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الماء من  الماء رواه مسلم ،أي الاغتسال من الإنزال ، فالماء الأول الماء المطهر ، والثاني المني .

وعن أم سلمة رضي الله عنها : أن أم سليم قالت : يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق ، فهل على المرأة غسل إذا احتلمت ؟ قال : ( نعم ، إذا رأت الماء ) رواه الشيخان وغيرهما .

تعريف المنى :

منيّ الرجل أبيض ثخين يتدفق في خروجه دفعة بعد دفعة ويخرج بشهوة ويتلذذ بخروجه، وإذا خرج يعقبه فتور، ورائحته كرائحة طلع النخل أو رائحة العجين وإذا يبس كانت رائحته كرائحة البيض، وأما مني المرأة فهو ماء أصفر رقيق .

والنائم إذا خرج منه المنى وجب عليه الغسل مطلقاً سواء كان هذا الوصف أم لم يكن لان النائم قد لا يشعر بالتدفق كالمستيقظ ، والدليل حديث أم سلمة السابق ( نعم إذا رأت الماء } متفق عليه .

فأوجبه الغسل إذا هي رأت الماء ولم يشترط غيره.

تعريف المذي :

نظرا لأن الكثير يخلطون بين المني والمذي فإن المذي هو: ماء أبيض رقيق لزج يخرج عند الاستثارة الجنسية بالكلام أو الفعل أو الخيال  وهو لا يتدفق كالمني ولا يعقبه فتور، وربما لا يحس بخروجه، ويشترك فيه الرجل والمرأة، ويخرج كترطيب للفرج .

والمذي نجس، ولا يوجب الغسل، بل يوجب الوضوء فقط، ويغسل المكان الذي أصابه من الثوب أو البدن، ويتوضأ إذا أراد الصلاة.

فائدة : بالنسبة للصائم إذا كان خروج المني بسبب احتلام في النوم فلا شيء فيه ولا يؤثر على صحة الصوم، وأما إذا كان بسبب استمناء أو إدامة فكر فعليه القضاء ، وأما المذي فلا يفسد الصوم.

ما الحكمة من تعميم البدن بالماء عند نزول المني ؟

يقول الشيخ يوسف القرضاوي :

السؤال عن الحكمة من تعميم الجسد كله بالماء في حين أن الذي أصابه القذر جزء صغير منه، فنحن نقدم للجواب بهذا المثال:

إذا وصف الطبيب للمريض دواء يأخذ منه ملعقة قبل كل وجبة، ودواء آخر يأخذ منه ملعقتين بعد الأكل، ودواء ثالثا يشتمل على حبوب وأقراص يتناول منه عددا معينا في مواقيت محددة؛ فهل من شأن المريض أن يقول للطبيب: لماذا كان هذا قبل الأكل وذاك بعده؟ ولما أتناول من الحبوب الكبيرة ثلاثا ومن الصغيرة واحدة؟

وهل تتسع مداركه ومعارفه ليشرح له الطبيب الحكمة في ذلك مفصلة، ويوقفه على أسرار تركيب الدواء وملاءمته لإزالة الداء؟؟

هذا بالضبط هو ما نقوله لمن يريد أن يعرف أسرار تفاصيل العبادات -ومنها الطهارة والغسل-، فالعبادات -كما قال الإمام الغزالي- أدوية للقلب الإنساني، تشفيه من مرض الغفلة والغرور والنسيان لحق الله تبارك وتعالى ، ومن حق الله سبحانه أن يستأثر بسر تركيب هذه الأدوية الروحية، وقد يتفضل فيطلعنا على شيء منها. وحسب المؤمن أن يعلم أنه تعالى لا يصف لنا إلا ما فيه خيرنا وصلاحنا (والله يعلم المفسد من المصلح)البقرة:220.(ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟) الملك:14.

وكم من أمور تعبدنا الله بها لم نكن نعرف سرها، ثم تقدمت عجلة الزمن وكشف العلم عما في أمر الله ونهيه من حكم ومنافع.

إن الأصل في العبادات أن تؤدى امتثالا لأمر الله، وشكرا لنعمته، سواء عرف الإنسان كل الحكمة منها أم لم يعرف فالعبد عبد، والرب رب، للرب أن يأمر وينهى وعلى العبد أن يسمع ويطيع. ولو كان الإنسان لا يطيع الله إلا فيما اقتنع به عقله المحدود لكان في هذه الحالة مطيعا لعقله لا مطيعا لربه. وليختر المؤمن لنفسه.

ومع كل ما ذكرنا فإن الاغتسال بعد الجماع لا يخلو من حكمة لمن أنصف وتأمل ونظر نظرة أعمق.

ويعجبني هنا ما قاله الإمام ابن القيم ردا على من عجب من تفرقة الشارع بين المنى والبول فأوجب الغسل من المنى دون البول قال:

“هذا من أعظم محاسن الشريعة وما اشتملت عليه من الرحمة والحكمة والمصلحة، فإن المنى يخرج من جميع البدن. ولهذا أسماه الله “سلالة” لأنه يسل من جميع البدن، فتأثر البدن بخروجه أعظم من تأثره بخروج البول.

وأيضا فإن الاغتسال من خروج المنى من أنفع شيء للبدن والقلب والروح. فإنها تقوى بالاغتسال، والغسل يخلف على البدن ما تحلل منه بخروج المنى وهذا أمر يعرف بالحس.

وأيضا فإن الجنابة توجب ثقلا وكسلا، والغسل يحدث له نشاطا وخفة، ولهذا قال أبو ذر لما اغتسل من الجنابة: كأنما ألقيت عني حملا.

وبالجملة فهذا أمر يدركه كل ذي حس سليم، ونظرة صحيحة، ويعلم أن الاغتسال من الجنابة يجري مجرى المصالح التي تلحق بالضروريات للبدن والقلب.. وقد صرح أفاضل الأطباء بأن الاغتسال بعد الجماع يعيد إلى البدن قوته، ويخلف عليه ما تحلل منه، وأنه من أنفع شيء للبدن والروح وتركه مضر.. ويكفي شهادة الفطرة والعقل بحسنه.. على أن الشارع لو شرع الاغتسال من البول لكان في ذلك أعظم حرج ومشقة على الأمة تمنعه حكمة الله ورحمته وإحسانه إلى خلقه”.أهـ

أما مشقة الغسل بعد الجماع فهي محتملة، لعدم تكرر الجماع تكرر البول، وكأن هذه المشقة الجزئية جعلت حاجزا أو لجاما يحول بين الإنسان وبين الاندفاع وراء الغريزة، والإسراف في الاتصال الجنسي. وضرر ذلك لا شك فيه.

ويلوح لي سر آخر: إن المؤمن لا يعيش لغريزته وشهواته فحسب، ولكنه يعيش لرسالة الله قبل أي شيء آخر، ولله تعالى عليه حق في كل عمل. وفي الجماع قد أدى حق نفسه وحق زوجه بقضاء الشهوة بقي حق الله تعالى وهو ما يؤديه بالاغتسال. على أن من حكمة الله تعالى أنه ربط نظافة الإنسان بأسباب طبيعية لا يمكنه الفرار منها -كخروج شيء من السبيلين في الوضوء، وكالجماع في الغسل -لتكون هذه الأسباب المتكررة سياطا تسوق الإنسان وإن تراخى وتكاسل- إلى نظافة أطرافه أو نظافة جسده كله.

ونختم هذه الكلمة بما ختم الله به آية الطهارة من سورة المائدة: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون)المائدة:6.

وكلام ابن القيم من كتابه ” إعلام الموقعين ” ( 2 / 77 ، 78 )

وفي وجوب الاغتسال من الجنابة حكم صحية منها :

تبين الدراسات الحديثة حول العلاقة الجنسية أن الجماع ، وقذف المني بأي سبب كان يؤدي إلى فتور و ارتخاء يعلل طبياً بوهن شديد في الجملة العصبية عند وصول شريكي الجماع إلى اللذة والقذف ، بحصول توسع في الأوعية الدموية المحيطة مما يؤدي بصاحبه إلى فقدان قسط كبير من نشاطه العضلي و الفكري و إن الاغتسال عندها ينبه الشبكات العصبية الحسية لتوقظ الجهاز العصبي من سباته و ليسترجع بذلك حيويته و نشاطه كما ينشط الدوران الدموي و يعيد إليه توازنه 

– يتسبب عن اللقاء الجنسي وهن نفسي ورغبة في النوم و عملية الغسل تفيد بتنشيط الجسم و الروح و يحس بالبهجة و الانشراح.

– والأكثر من ذلك أن الأطباء ينصحون بالاغتسال عقب كل مجهود عضلي كبير و بعد التدريبات الرياضية الشاقة ، فالاغتسال يزيل آثار الجهد العضلي و يخفف متاعبه ، والجماع من هذه الناحية جهد عضلي.

وهنا صور كثيرا ما تقع ، أحببنا أن ننبه عليها للحاجة إليها :

ا – إذا خرج المني من غير شهوة ، بل لمرض أو برد فلا يجب الغسل . قال مجاهد : بينا نحن أصحاب ابن عباس – حلق في المسجد : – ( طاووس ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة – وابن عباس قائم يصلي إذ وقف علينا رجل فقال : هل من مفتِ ؟

فقلنا : سل ، فقال إني كلما بلت تبعه الماء الدافق ؟

قلنا الذي يكون منه الولد ؟

قال : نعم ، قلنا : عليك الغسل

قال : فولى الرجل وهو يرجع

قال : وعجل ابن عباس في صلاته ، ثم قال لعكرمة علي بالرجل ، وأقبل علينا فقال : أرأيتم ما أفتيتم به هذا الرجل ، عن كتاب الله ؟

قلنا : لا . قال : فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

قلنا : لا

قال : فعن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

قلنا لا ، قال : فعمه ؟

قلنا : عن رأينا ، قال : فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد )

قال : وجاء الرجل فأقبل عليه ابن عباس فقال : أرأيت إذا كان ذلك منك ، أتجد شهوة في قبلك ؟

قال : لا ، قال : فهل تجد خدرا في جسدك ؟

قال : لا ، قال إنما هذه إبردة ، يجزيك منها الوضوء )

 

ب – إذا احتلم ولم يجد منيا فلا غسل عليه ، قال ابن المنذر . أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم ، وفي حديث أم سليم المتقدم فهل على المرأة غسل إذا احتلمت ؟ قال : ( نعم إذا رأت الماء ) ما يدل على أنها إذا لم تره فلا غسل عليها  .

ح – إذا انتبه من النوم فوجد بللا ولم يذكر احتلاما ، فإن تيقن أنه مني فعليه الغسل ، لأن الظاهر أن خروجه كان لاحتلام نسيه ، فإن شك ولم يعلم ، هل هو مني أو غيره ؟ فعليه الغسل احتياطا. عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا قَالَ يَغْتَسِلُ وَعَنْ الرَّجُلِ يَرَى أَنَّهُ قَدْ احْتَلَمَ وَلَا يَرَى بَلَلًا قَالَ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ تَرَى ذَلِكَ شَيْءٌ قَالَ نَعَمْ إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ } صححه الألباني .

د – إذا رأى في ثوبه منيا ، لا يعلم وقت حصوله ، وكان قد صلى ، يلزمه إعادة الصلاة من آخر نومة له ، لأن عمر بن الخطاب رأى أثر مني في ثوبه بعد أن صلى الصبح بالناس فاغتسل وأعاد الصلاة ولم يأمر أحدا بإعادة الصلاة .رواه البيهقي

هـ – ما الحكم لو وجد الشخص بللا بعد الاستيقاظ ؟

إذا استيقظ الإنسانُ فوجد في ثيابه بللًا، فلا يخلو من ثلاث حالات‏:
الحالة الأولى‏:‏ أن يتيقَّن أنه منيٌّ، فيجب عليه حينئذٍ الاغتسال، سواء ذَكَر احتلامًا أم لم يذكر‏.

الحالة الثَّانية‏:‏ أن يتيقَّن أنه ليس بمنيٍّ، فلا يجب عليه الغسلُ في هذه الحالة، ولكن يجب عليه أن يغسل ما أصابه؛ لأن حكمَه حكمُ البول‏.
الحالة الثالثة‏:‏ أن يجهل هل هو منيٌّ أم لا‏؟‏

ففيه تفصيل‏:
أوَّلًا‏:‏ إن ذَكَر أنه احتلم في منامه، فإنه يعتبره منيًّا ويغتسل؛ لحديث أم سلمة ل حين سألتِ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، هل عليها غسل‏؟‏ قال‏:‏ «‏نَعَمْ، إِذَا هِيَ رَأَتِ الْـمَاءَ»‏‏.‏ فدلَّ هذا على وجوب الغسل على من احتلم ووجد الماء‏.

ثانيًا‏:‏ إذا لم يَرَ شيئًا في منامه؛ فإن كان قد سبق نومَه تفكيرٌ في الجماع جعله مذيًا‏، وإن لم يسبق نومه تفكيرٌ فهذا محلُّ خلاف‏، قيل‏:‏ يجب عليه الغسل احتياطًا.

وقيل‏:‏ لا يجب. وهو الصحيح؛ لأن الأصلَ براءةُ الذِّمَّة‏.
والأصل في المنيِّ أنه بعد أن يَجِفَّ يكون خشنًا في الثِّياب، وأيًّا كان الأمر فإن اغتساله على سبيل الاحتياط حسنٌ يخرج به من الخلاف ويتحقَّق به من براءة ذِمَّته.

و- إذا اغتسلت المرأة من جماع ثم أحست بنزول مني زوجها منها فلا يلزمها الغسل ولا الوضوء كما قال ابن حزم لأنه ليس حدثها ، وإنما هو من زوجها ، خلافا للجمهور قالوا بالوضوء فقط ، والراجح مذهب ابن حزم أنه لا وضوء عليها لأن مجرى المنى من المرأة غير مجرى البول فلا وضوء عليها ولا غسل .

( الثاني ) : إلتقاء الختانين:

ومجرد التقاء الفرجين والملامسة بدون إدخال ولا إنزال مني لا يوجب الغسل ، لكن إذا حدث إدخال بدون إنزال مني لعارض كتعب يصيب الرجل ، أو حضور ضيف ، أو أي طارئ فهناك قولان للفقهاء :
الأول :الظاهرية يقولون بالوضوء فقط ، واستدلوا بحديث: أن رسول الله أرسل إلى رجل من الأنصار ، فجاء ورأسه يقطر فقال النبي : لعلنا أعجلناك ؟ قال : نعم فقال رسول الله ( إذا أعجلت ،أو أقحطت (جامعت ولم تنزل ) فعليك الوضوء )متفق عليه .

الثاني : قول الأئمة الأربعة على أن الوضوء على من جامع ولم ينزل كان رخصة ثم نسخت ، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم : (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل

الشعب كناية عن اليدين والرجلين، وذلك كناية عن الجماع، وأكد ذلك قوله : (ثم جهدها) من الجهد، وهو: الطاقة؛ لأن المرأة تبذل جهداً، أو أن الرجل يحملّها جهداً في هذه العملية، وذكر ابن دقيق العيد أن من معاني الجهد لغة: النكاح، فقوله: (ثم جهدها) بمعنى: وطئها، وجاء في حديث آخر: (إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل).

وجاء أيضاَ: (أن رجلاً أتى النبي -قبل الحجاب- و عائشة جالسة فقال: إني لآتي أهلي وأكسل -لا أنزل المني- أعلي غسل؟ فقال: إني أفعله أنا وهذه ونغتسل)رواه مسلم
وكان بعض الصحابة يقول: من جامع ولم ينزل فلا غسل عليه، وقال آخرون: عليه الغسل، فاختلفوا بين يدي عمر، فجاء علي رضي الله عنه فسأله عمر : ما تقول أنت؟ قال: وعلام تسألني وبجوارك أمهات المؤمنين؟! فأرسل إليهن فسلهن فإنهن أعلم بذلك منا.

فأرسل عمر لأم سلمة رضي الله تعالى عنها فقالت: سلوا عائشة فإنها أعلم بذلك مني، فذهبوا وسألوا عائشة رضي الله عنها فقالت: (إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل)، فقال عمر: لا أسمع بأحد يقول: لا غسل إلا من إنزال، إلا جعلته مثلة لغيره، فجاء أبي بن كعب فقال: لا تعجل يا أمير المؤمنين: كان في بادئ الأمر رخصة لنا، ولا غسل إلا لمن أنزل، ومن جامع ولم ينزل فلا غسل عليه، ثم عزم علينا.
ومن هنا يترجح لدينا الغسل على من جامع ولم ينزل .

( الثالث ) : انقطاع الحيض والنفاس :

لقول الله تعالى ( ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ) البقرة 222

، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها ( دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ، اغتسلي وصلي ) متفق عليه

وهذا ، وإن كان واردا في الحيض ، إلا أن النفاس كالحيض بإجماع الصحابة .

( الرابع ) الموت :

إذا مات المسلم وجب تغسيله إجماعا ، على تفصيل يأتي في موضعه .

( الخامس ) : الكافر إذا أسلم :

إذا أسلم الكافر فهل يغتسل ؟

ثلاثة أقوال :
الأول وهو قول مالك وأحمد إذا أسلم الكافر وجب عليه الغُسْل

والدَّليل على وجوب الغُسْل بذلك :
1
ـ حديث قَيس بن عاصم أنَّه لـمَّا أسلم أَمَره النبيُّ أنَّ يغتسل بماء وسِدْر . رواه الترمذي ، والأَصْلُ في الأمر الوُجوب.

2ـ وكذا قصة ثمامة الحنفي

3- وقصة وإسلام أسيد بن حضير وسعد بن معاذ .
4- أنه طَهَّر باطنه من نَجَسِ الشِّرْك، فَمِنَ الحِكْمة أن يُطَهِّرَ ظاهره بالغُسْل.

الثاني وهو قول أبي حنيفة : لا يَجِب الغُسْل بذلك ، واستدلَّ بأنه لم يَرِدْ عن النبيِّ أمر عامٌّ مثل : مَنْ أسلم فَلْيَغْتَسِل ، كما قال : “من جاء مِنْكُم الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِل” وما أكثر الصَّحابة الذين أسلموا، ولمْ يُنْقَل أنه أمرهم بالغُسْلِ ، ولو كان واجباً لكان مشهوراً لحاجة النَّاس إليه.

الثالث وهو قول الشافعي يستحب إلا إذا كان على جنابة ثم أسلم فيجب حينئذ .الأغسال المستحبة :

أي التي يمدح المكلف على فعلها ويثاب ، وإذا تركها لا لوم عليه ولا عقاب ، وهي ستة نذكرها فيما يلي :

( 1 ) غسل الجمعة :

لما كان يوم الجمعة يوم اجتماع للعبادة والصلاة أمر الشارع بالغسل وأكده ليكون المسلمون في اجتماعهم على أحسن حال من النظافة والتطهير ، فعن أبي سعيد رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( غسل الجمعة واجب على كل محتلم والسواك وأن يمس من الطيب ما يقدر عليه ) رواه البخاري ومسلم .

والمراد بالمحتلم البالغ ، والمراد بالوجوب تأكيد استحبابه

هذا وقد اختلف العلماء في حكم غسل الجمعة:
1- الغسل سنة، وهو مذهب الحنفية ، والشافعية ، والمالكية ، والحنابلة .
2- الغسل واجب، وهو رواية عن أحمد ، ومذهب الظاهرية . ،
فقالوا بوجوب الغسل للجمعة وإن لم يحصل أذى بتركه ، مستدلين بالحديث السابق وقول أبي هريرة رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما . يغسل فيه رأسه وجسده ) رواه البخاري ومسلم .

 لكن ورد ما يفيد جواز الوضوء فقط وأن الغسل مستحب وهو قول الجمهور ومن هذه الأحاديث مارواه البخاري عن ابن عمر : ( أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة ، إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو عثمان ، فناداه عمر : أية ساعة هذه ؟ قال : إني شغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين فلم أزد أن توضأت ، فقال : والوضوء أيضا وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل ؟ ) .

قال الشافعي : فلما لم يترك عثمان الصلاة للغسل ، ولم يأمره عمر بالخروج للغسل ، دل ذلك على أنهما قد علما أن الأمر بالغسل للاختيار . ويدل على استحباب الغسل أيضا ، ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام ) . قال القرطبي في تقرير الاستدلال بهذا الحديث عن الاستحباب : ذكر الوضوء وما معه مرتبا عليه الثواب المقتضي للصحة ، يدل على أن الوضوء كاف .

وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص : إنه من أقوى ما استدل به على عدم فرضية الغسل للجمعة ، والقول بالاستحباب بناء على أن ترك الاغتسال لا يترتب عليه حصول ضرر ، فإن ترتب على تركه أذى الناس بالعرق والرائحة الكريهة ونحو ذلك مما يسئ ، كان الغسل واجبا وتركه محرما ،

فضل الغسل يوم الجمعة :

ورد في الحديث عن شداد بن أوس الثقفي  أنه صلى الله عليه وسلم قال (من غسَّل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ؛ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها) رواه أحمد و أبو داود والترمذي وصححه الألباني.

وقوله (من غسَّل يوم الجمعة واغتسل): ذكر العلماء في معناه أكثر من تفسير، ومما ذكروه أن معنى غسل أي غسل رأسه، ومعنى اغتسل أي غسل سائر بدنه ، وقيل معنى غسل أي جامع زوجته فأوجب عليها الغسل فكأنه غسلها واغتسل هو أيضا بسب ذلك، وقيل المراد تأكيد الغسل، وفي شرح النسائي للسيوطي: والمختار أن معناه غسل رأسه، ويؤيده رواية أبي داود في هذا الحديث: من غسل رأسه من يوم الجمعة. انتهى.

وقال في تحفة الأحوذي: قال الجزري في النهاية: ذهب كثير من الناس أن غسل أراد به المجامعة قبل الخروج إلى الصلاة لأن ذلك يجمع غض الطرف في الطريق. انتهى.

ومعنى الناس هنا العلماء

وعلى أن المراد المعنى الأول فلا فرق بين الأعزب وغيره في تحصيل هذا الأجر، أما على أن المراد هو المعنى الثاني فهذا للمتزوج، ونقول للأعزب حبسك العذر فاحتسب الأجر واغتسل !!!

وقت الغسل :

يمتد من طلوع الفجر إلى صلاة الجمعة ، وإن كان المستحب أن يتصل الغسل بالذهاب ، وإذا أحدث بعد الغسل يكفيه الوضوء .

( 2 ) غسل العيدين :

استحب العلماء الغسل للعيدين ، ولم يأت في ذلك حديث صحيح

 

( 3 ) غسل من غسل ميتا :

يستحب لمن غسل ميتا أن يغتسل عند كثير من أهل العلم ، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من غسل ميتا فليغتسل ، ومن حمله فليتوضأ ) صححه الألباني

 

ويستدل أيضا بحديث عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ مَاتَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ{ اذْهَبْ فَوَارِه }ِ فَقَالَ إِنـَّهُ مَاتَ مُشْرِكًا فَقَالَ{ اذْهَبْ فَوَارِه }ِ قَالَ فَلَمَّا وَارَيْتُهُ رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال لِي{ اغْتَسِلْ } صححه الألباني .

 

والأمر في الحديث محمول على الندب ، لما روي عن عمر رضي الله عنه قال : كنا نغسل الميت ، فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل . رواه الخطيب بإسناد صحيح .

ولما غسلت أسماء بنت عميس زوجها أبا بكر الصديق رضي الله عنه حين توفي خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين فقالت : إن هذا يوم شديد البرد ، وأنا صائمة ، فهل علي من غسل ؟ فقالوا : لا ، رواه مالك

 

( 4 ) غسل الإحرام :

يندب الغسل لمن أراد أن يحرم بحج أو عمرة عند الجمهور ، لحديث زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ { رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ } صححه الألباني .

 

( 5 ) غسل دخول مكة :

يستحب لمن أراد دخول مكة أن يغتسل ، لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما : ( أنه كان لا يقدم مكة إلا بات بذى طوى حتى يصبح ثم يدخل مكة نهارا ) ، ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله ، رواه البخاري ومسلم ،

 

( 6 ) غسل الوقوف بعرفة :

يندب الغسل لمن أراد الوقوف بعرفة الحج ، لما رواه مالك بن نافع : ( أن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم ، ولدخول مكة ، ولوقوفه عشية عرفة ) .

 

أركان الغسل :

لا تتم حقيقة الغسل المشروع إلا بأمرين :

( 1 ) النية :

إذ هي المميزة للعبادة عن العادة ، وليست النية إلا عملا قلبيا محضا . وأما ما درج عليه كثير من الناس واعتادوه من التلفظ بها فهو محدث غير مشروع ، ينبغي هجره والإعراض عنه وقد تقدم الكلام على حقيقة النية في الوضوء .

 

( 2 ) غسل جميع الأعضاء :

والدليل حديث عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّه } البخاري .

وأنبه هنا أن بعض المجتمعات يشيع بينها أن العروس تغسل جميع بدنها ما عدا شعر رأسها لأنه مكوي بمكواة الشعر وهذا لا يصح ، ولا ترفع جنابتها فوق رأسها شبرا فلا بد لها من تعميم بدنها بالماء .

سننه :

يسن للمغتسل مراعاة فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في غسله فيبدأ

1. بغسل يديه ثلاثا

2. ثم يغسل فرجه

3. ثم يتوضأ وضوءا كاملا كالوضوء للصلاة ، وله تأخير غسل رجليه إلى أن يتم غسله .

4. ثم يفيض الماء على رأسه ثلاثا مع تخليل الشعر ، ليصل الماء إلى أصوله

5. ثم يفيض الماء على سائر البدن بادئا بالشق الأيمن ثم الأيسر مع تعاهد الإبطين وداخل الأذنين والسرة وأصابع الرجلين وذلك ما يمكن دلكه من البدن .

وأصل ذلك كله ما جاء عن عائشة رضي الله عنها ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم يأخذ الماء ويدخل أصابعه في أصول الشعر ؛ حتى إذا رأى أنه قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حثيات ، ثم أفاض على سائر جسده ) ، رواه البخاري ومسلم .

أنه قد استبرأ  : أي أوصل الماء إلى البشرة .

وفي رواية لهما : ( ثم يخلل بيديه شعره ، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات )

وإذا وقف تحت (الدش)وفعل ذلك كله يجزئ ، أو إذا انغمس بجسمه في بحر أو نهر يجزئ إن شاء الله .

غسل المرأة :

غسل المرأة كغسل الرجل ، إلا أن المرأة لا يجب عليها أن تنقض ضفيرتها ، إن وصل الماء إلى أصل الشعر ، لحديث أم سلمة رضي الله عنها ، أن امرأة قالت يا رسول الله ، إني امرأة أشد ضفر رأسي ، أفأنقضه للجنابة ؟ قال : ( إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء ثم تفضي على سائر جسدك ، فإذا أنت قد طهرت ) رواه أحمد ومسلم والترمذي وقال : حسن صحيح

وعن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال : بلغ عائشة رضي الله عنها أن عبد الله ابن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن فقالت : ( يا عجبا لابن عمر ، يأمر النساء إذا اغتسلن بنقض رؤوسهن ، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن لقد كنت اغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ، وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات ) رواه أحمد ومسلم

ويستحب للمرأة إذا اغتسلت من حيض أو نفاس ، أن تأخذ قطعة من قطن ونحوه ، وتضيف إليها مسكا أو طيبا ثم تتبع بها أثر الدم ، لتطيب المحل وتدفع عنه رائحة الدم الكريهة ، فعن عائشة رضي الله عنها : أن أسماء بنت يزيد سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض قال : ( تأخذ إحداكم ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى يبلغ شئون رأسها ، ثم تصب عليها الماء ، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها ) قالت أسماء : وكيف تطهر بها ؟ قال : ( سبحان الله ! تطهري بها ) فقالت عائشة كأنها تخفي ذلك . تتبعي أثر الدم : وسألته عن غسل الجنابة فقال : ( تأخذي ماءك فتطهرين فتحسنين الطهور أو أبلغي الطهور ، ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى يبلغ شئون رأسها ثم تفيض عليها الماء ) فقالت عائشة : ( نعم النساء نساء الانصار . لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين ) رواه الجماعة إلا الترمذي .وحاليا هناك ما يعرف بالصابون المعطر فيكفي عن غيره

( تطهر فتحسن الطهور ) أي تتوضأ فتحسن الوضوء .

( شؤون رأسها ) : أي أصول شعر الرأس .

( فرصة ممسكة ) . بكسر فسكون : أي قطعة قطن أو صوفة مطيبة بالمسك . ( تخفي ذلك ) : تسر به إليها

مسائل تتعلق بالغسل:

1- يجزئ غسل واحد عن حيض وجنابة ، أو عن جمعة وعيد ، أو عن جنابة وجمعة ، وإذا نوى الكل ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وإنما لكل امرئ ما نوى ) .

2 – إذا اغتسل من الجنابة ، ولم يكن قد توضأ يقوم الغسل عن الوضوء ، قالت عائشة : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتوضأ بعد الغسل ) . وقال أبو بكر ابن العربي : لم يختلف العلماء أن الوضوء داخل تحت الغسل ، وأن نية طهارة الجنابة تأتي على طهارة الحدث وتقضي عليها ، لان موانع الجنابة أكثر من موانع الحدث ، فدخل الأقل في نية الأكثر ، وأجزأت نية الأكبر عنه .

أما الغسل المباح كمن يغتسل لشدة الحر فيحتاج إلى نية الوضوء .

3- لا يجب الغسل إلا إذا وجبت الصلاة ، ويجوز للجنب والحائض إزالة الشعر ، وقص الظفر والخروج إلى السوق وغيره من غير كراهية . قال عطاء يحتجم الجنب ، ويقلم أظافره ، ويحلق رأسه ، وإن لم يتوضأ رواه البخاري .

4 – لا بأس بتنشيف الأعضاء بمنديل ونحوه ، في الغسل والوضوء ، صيفا وشتاء .

5 – يجوز للرجل والمرأة أن يغتسلا معا من إناء واحد  ، فقد كانت عائشة تغتسل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ، فيبادرهما وتبادره ، حتى يقول لها : دعي لي ، وتقول له : دع لي .رواه البخاري

والمراد أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يقول لعائشة أبقي لي ماء وهي تقول كذلك .

ولاصحة لما يذكر من أحاديث باطلة في أن الرجل لا ينظر لفرج المرأة ، فيجوز لكل واحد من الزوجين النظر إلى عورة الآخر ، سواء في حال الجماع ، أو الاغتسال أو غيرهما من الأحوال ، وليس في الأدلة الشرعية الصحيحة ما يمنع من ذلك ، وَلِأَنَّ الْفَرْجَ يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهِ ، فَجَازَ النَّظَرُ إلَيْهِ وَلَمْسُهُ ، كَبَقِيَّةِ الْبَدَنِ . بالإضافة إلى ما ورد من الأدلة على جواز ذلك .
منها حديث عَائِشَةَ السابق وفي سنن الترمذي عن مُعَاوِيَة بْن حَيْدَةَ قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ ؟ قَالَ : ( احْفَظْ عَوْرَتَكَ ، إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ ، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ) .
قال الحافظ ابن حجر : ” وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ ( إِلَّا مِنْ زَوْجَتك ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا النَّظَرُ إِلَى ذَلِكَ مِنْهُ ، وَقِيَاسه أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ “. انتهى ” فتح الباري” (1/386) .
وقال الشيخ الألباني معلقا على الحديث المكذوب: (إذا جامع أحدكم زوجته أو جاريته فلا ينظر إلى فرجها فإن ذلك يورث العمى) .
قال : ” والنظر الصحيح يدل على بطلان هذا الحديث ، فإن تحريم النظر بالنسبة للجماع من باب تحريم الوسائل ، فإذا أباح الله تعالى للزوج أن يجامع زوجته ، فهل يعقل أن يمنعه من النظر إلى فرجها ؟ ! اللهم لا …. وإذا تبين هذا ، فلا فرق حينئذ بين النظر عند الاغتسال أو الجماع ، فثبت بطلان الحديث “. انتهى كلام الشيخ الألباني ، ” السلسة الضعيفة ” (1 /197).

والحاصل : أنه لا يصح شيء من الأحاديث الواردة في كراهة رؤية أحد الزوجين لعورة لأخر ، فيبقى الأمر على الإباحة الأصلية ، فكيف وقد ورد من الأدلة ما يؤكد جواز ذلك .

6 – لا يجوز الاغتسال عريانا بين الناس ، لأن كشف العورة محرم ، فإن استتر بثوب ونحوه فلا بأس . فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تستره فاطمة بثوب ويغتسل

ما يحرم على الجنب:

الجنب هو البعيد وسمي جنبا لمجانبته الناس حتى يتطهر ،أو لمجانبته الصلاة أو المسجد حتى يغتسل ، ويحرم على الجنب ما يأتي :

1 – الصلاة .

2 – الطواف : وقد تقدمت أدلة ذلك في مبحث ما يجب له الوضوء .

3 – مس المصحف وحمله ،وهذا عند مالك والشافعي وأحمد وقد سبق ذكر الخلاف فيه ورجحت القول باستحباب ذلك لا وجوبه ، وهو قول أبي حنيفة ، وداود وابن حزم أنه يجوز للجنب مس المصحف وحمله ولم يريا بهما بأسا ، واستدلوا أيضا بما جاء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى هرقل كتابا فيه : ( بسم الله الرحمن الرحيم . . . إلى أن قال ( يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ، ولا نشرك به شيئا ، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله . فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون ) سورة آل عمران آية : 64 ، قال ابن حزم : فهذا رسول الله بعث كتابا ، وفيه هذه الآية إلى النصارى وقد أيقن أنهم يمسون هذا الكتاب ، وأجاب الجمهور عن هذا بأن هذه رسالة ولا مانع من مس ما اشتملت عليه من آيات من القرآن كالرسائل وكتب التفسير والفقه وغيرها ، فإن هذه لا تسمى مصحفا ولا تثبت لها حرمته .

أما بالنسبة للحائض والنفساء فسيأتي الكلام عنها في فقه الحيض والنفاس إن شاء الله .

4 – قراءة القرآن : يحرم على الجنب أن يقرأ شيئا من القرآن عند الجمهور ،واستدلوا بعدة أحاديث كلها ضعيفة مثل :

حديث علي رضي الله عنه : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يحجبه عن القرآن شئ ليس الجنابة ) رواه أصحاب السنن ، وسنده ضعيف كما قال الألباني وغيره

وعنه رضي الله عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثم قرأ شيئا من القرآن ثم قال : ( هكذا لمن ليس بجنب ، فأما الجنب فلا . ولا آية ) رواه أحمد وقال الألباني في إرواء الغليل : لوكان صريحا في الرفع فهو شاذ أو منكر

وقال الشوكاني : فإن صح هذا صلح للاستدلال به على التحريم ، أما الحديث الأول فليس فيه ما يدل على التحريم . لأنه غايته أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك القراءة حال الجنابة ، ومثله لا يصلح متمسكا للكراهة ، فكيف يستدل به على التحريم ؟ . انتهى .

وذهب البخاري والطبراني وداود وابن حزم إلى جواز القراءة للجنب . قال البخاري : قال إبراهيم : لا بأس أن تقرأ الحائض الآية ، ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأسا  ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه .

قال الحافظ ابن حجر :تعليقا على هذا ، لم يصح عند المصنف ( يعني البخاري ) شئ من الأحاديث الواردة في ذلك : أي في منع الجنب والحائض من القراءة ، وإن كان مجموع ما ورد في ذلك تقوم به الحجة عند غيره لكن أكثرها قابل للتأويل .

5 – المكث في المسجد :

هل يجوز للحائض والجنب دخول المسجد والمكث فيه ؟

قولان للفقهاء :

سنعرض أولاً أدلة المانعين -الذين يحرمون على الحائض أو الجنب دخول المسجد، ثم نناقشها

أ- أدلة المانعين:

– 1 عن عائشة وأم سلمة أن رسول الله قال (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب). رواه أبو داود والطبراني وابن ماجة

-2 قوله سبحانه وتعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا).

قال الشافعي: قال بعض أهل العلم: لا تقربوا موضع الصلاة، وأيده بقوله أنه لا يكون في الصلاة عبور سبيل، إنما عبور السبيل في موضعها وهو المسجد، فيكون المعنى: لا تقربوا المسجد وأنتم جنب. ونقل الجصاص في أحكام القرآن هذا من قول ابن مسعود حيث فسر الآية بأنه الممر في المسجد.

وقد أجازوا للجنب (والحائض قياساً) العبور دون لبث في حالة الضرورة للاستثناء الوارد (إلا عابري سبيل)

ب- مناقشة الأدلة.

-1 الحديث. اختلف العلماء في تصحيحه، فصححه بعضهم كالشوكانى وغيره، ولكن المحققين قد ضعفوه، قال الألباني في تمام المنة: (وهما حديث واحد- أي حديث عائشة وأم سلمة- بإسناد واحد، مداره على جسرة بنت دجاجة اضطربت في روايته، فمرة قالت: عن عائشة، ومرة عن أم سلمة، والاضطراب مما يوهن به الحديث كما هو معروف عند المحدثين، لأنه يدل على عدم ضبط الراوي، وحفظه.

يضاف إلى ذلك أن جسرة عنده لم يوثقها من يعتمد على توثيقه، بل قال البخاري: عندها عجائب، ولذلك ضعف جماعة هذا الحديث كما قال الخطابي، وقال البيهقي: ليس بالقوي.

– 2وأما الآية (ولا جنبا إلا عابري سبيل ) فإن في المراد بها خلافا بين أهل العلم، حكاه الجصاص في أحكام القرآن فقال: “وأما قوله (ولا جنبا إلا عابري سبيل) فإن أهل العلم تنازعوا تأويله فروى المنهال بن عمرو عن زر عن علي : إلا أن تكونوا مسافرين ولا تجدون ما تتيممون به وتصلون،  وروى قتادة عن ابن عباس ومجاهد مثله،وروى عن ابن مسعود أنه قال: هو الممر في المسجد.

ثم قال الجصاص مرجحاً رأي علي وابن عباس (وما روى عن علي وابن عباس في تأويله – أن المراد المسافر الذي لا يجد الماء فيتمم- أولى من تأويل من تأوله على الاجتياز في المسجد ،  ثم أيد هذا الترجيح قائلاً: (وذلك لأن قوله “لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى” نهي عن فعل الصلاة نفسها في هذه الحال، لا عند المسجد، لأن ذلك حقيقة اللفظ ومفهوم الخطاب، وحمله على المسجد عدول بالكلام عن حقيقته إلى المجاز بأن نجعل الصلاة عبارة عن موضعها.. ومتى أمكننا استعمال اللفظ على حقيقته لم يجز صرفه عنها إلى المجاز إلا بدلالة، ولا دلالة توجب صرف ذلك عن الحقيقة.

وفي نسق التلاوة ما يدل على أن المراد حقيقة الصلاة، وهو قوله (حتى تعلموا ما تقولون) وليس قول مشروط يمنع من دخوله لتعذره عليه عند السكر، وفي الصلاة قراءة مشروطة، فمنع من أجل العذر عن إقامتها عن فعل الصلاة، فدل ذلك على أن المراد حقيقة الصلاة، فيكون تأويل من تأوله عليها موافقاً لظاهرها وحقيقتها.

وقال ابن العربي في أحكام القرآن: (لا تقربوا) وذلك يكون في الفعل لا في المكان، فكيف يضمر المكان، ويوصل بغير فعله؟ هذا محال. وتقدير الآية: لا تصلوا سكارى ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا.

 

ومن هذه الأقوال يتبين :

-1 الأولى حمل اللفظ على حقيقته، ولا يعدل عنها إلى المجاز إلا بدلالة توجب هذا العدول.

-2 حقيقة (الصلاة) هي الأفعال المعروفة، ولا يعدل عنها إلى موضعها.

3 – ومما يدل على أن المراد بالصلاة حقيقتها قوله (حتى تعلموا ما تقولون) فالقول المشروط هو للصلاة وليس لموضعها.

– 4 وعليه فمعنى الآية: لا تصلوا سكارى ولا جنباً. إلا أن تكونوا مسافرين وأنتم جنب ولم تجدوا ماء لتغتسلوا فتتيمون وتصلون.

جـ- من هنا يتضح أنه لا يثبت دليل لمن قال بحرمة دخول الحائض والجنب المسجد، فالأدلة التي استدلوا بها إما ضعيفة وإما غير صريحة. وبناء على هذا فقد ذهب مجموعة من العلماء إلى جواز دخول الحائض والجنب المسجد كالمزني وداود وابن حزم وغيرهما وقد استدل ابن حزم بعدة أدلة تؤيد الجواز، منها :

1-أن أهل الصفة كانوا يبيتون في المسجد بحضرة رسول الله وهم جماعة كثيرة، ولاشك أن فيهم من يحتلم، فما نهوا قط عن ذلك.

-2 حديث عائشة الذي في البخاري أن وليدة سواء كانت لحي من العرب فأعتقوها فجاءت إلى رسول الله فأسلمت فكان لها خباء في المسجد، وكانت تقمه.

قال: فهذه امرأة ساكنة في مسجد النبي والمعهود من النساء الحيض، فما منعها من ذلك، ولا نهي عنه، وكل ما لم ينه عنه مباح.

– 3ولو كان دخول المسجد لا يجوز للحائض لأخبر بذلك عائشة، إذ حاضت فلم ينهها إلا عن الطواف بالبيت فقط، ومن الباطل المتيقن أن يكون لا يحل لها دخول المسجد فلا ينهاها عن ذلك، ويقتصر على منعها من الطواف.

– 4 حديث عائشة عند مسلم أن رسول الله قال لها: ناوليني الخمرة من المسجد، فقالت: إني حائض. قال: (إن حيضتك ليس في يدك) فبين بجوابه أن دخولها المسجد أمر طبيعي، ولو كان في ذلك منع لقال: نعم. لا تدخليه إذن، أو قال: لا يضر أن تمري به مروراً… الخ. ولكنه أجاب بما يدل على الجواز، فطالما أن حيضتك ليست في يدك فما الذي يمنع من دخول المسجد؟


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *


أحدث خطبة جمعة

المسلمون في كندا

الإسلام في كندا

يبلغ عدد سكان كندا حوالي 33 مليون نسمة ونصف المليون ونسبة المسلمين 1.9%. وتقول بعض المصادر إن النسبة تتعدى 2 %. وحسب إحصائية 2009 يصل عدد المسلمين إلى مليون ونصف المليون ، يعيش أغلبهم في مقاطعة أونتاريو الكندية ثم في كيبيك. ويُظهِر آخر إحصاء للسكان أن الإسلام هو الديانة رقم واحد بين العقائد والديانات غير

تاريخ الإضافة : 8 أكتوبر, 2019 عدد الزوار : 4689 زائر

جديد الموقع

الإحصائيات

  • 14
  • 2٬848
  • 0
  • 3٬840
  • 0
  • 2٬120٬450
  • 0
  • 103
  • 10٬999