قصة برصيصا العابد وكيف اضله الشيطان؟

تاريخ الإضافة 21 مارس, 2026 الزيارات : 21460

قصة برصيصا العابد وكيف اضله الشيطان؟

في أعلى الجبل، كانت صومعةٌ وحيدة تعانق السماء، لا يسمع فيها إلا همس الريح، ووقع الأقدام الخاشعة، وصوت رجلٍ أضناه السجود منقطع عن الخلق لعبادة الله عز وجل.

كان اسمه: برصيصا.

عابدٌ طال مقامه في العبادة، حتى صار اسمه على ألسنة الناس مثلًا في الزهد والطاعة.

وكان الشيطان يرقبه من بعيد، فيغتاظ، ويقول في نفسه:

إبليس: هذا الذي أعياني؟ هذا الذي فرّ مني الناس إليه؟ والله لأهدمنّ عليه دنياه قبل آخرته، ولأجعلنّ سقوطه عبرةً لمن اغترّ بنفسه.

جمع إبليس مردته، ونظر في وجوههم نظرة القائد الذي لا يطلب إلا الحسم.

إبليس: من لي ببرصيصا؟

سكتوا.

ثم تقدّم واحد منهم، قائلا بدهاءٍ بارد: أنا له.

ابتسم إبليس ابتسامةً خبيثة تخبر عن موافقته.

في صباحٍ باكر، وقف رجلٌ غريب عند أسفل الصومعة. كان في هيئة عابد، وجهه هادئ، وثيابه بسيطة، وصوته منكسر.

الشيطان متنكرًا: يا برصيصا… جئت أتعلم منك… جئت أقتبس من نور عبادتك.

لم يجبه برصيصا.

كان قائمًا في صلاته، غارقًا في نسكه، لا يلتفت.

مرّ وقت طويل، ثم جلس الغريب عند باب الصومعة وشرع في الصلاة هو أيضًا. يوم… يومان… عشرة… حتى إذا نزل برصيصا من صومعته، رأى الرجل لا يزال على حاله.

نظر إليه مليًّا.

برصيصا: من أنت؟

الشيطان: رجلٌ أرهقته الدنيا، ففرّ إلى الله. رأيتُ الناس يشيرون إليك، فقالوا: عند هذا العابد تُحيا القلوب.

ظهر الرضا في عيني برصيصا، لكنه أخفاه.

برصيصا: الطريق إلى الله لا يؤخذ من الرجال، بل من الإخلاص.

الشيطان: صدقت… لكن النفس تأنس بمن يذكرها إذا نسيت.

سكت برصيصا لحظة، ثم أذن له أن يقيم قريبًا منه.

وهنا بدأت الحيلة الأولى: لم يدخل الشيطان عليه من باب المعصية، بل من باب الإعجاب بالنفس.

صار الغريب يطيل الصلاة أكثر من برصيصا، ويقلل الطعام أكثر منه، ويظهر خشوعًا عجيبًا. وكلما نظر إليه برصيصا، داخله شعورٌ غامض لم يعرف له اسمًا.

أهو تنافس في الطاعة؟
أم فرحٌ بأن له تلميذًا؟
أم لذةُ أن يُشار إليه: هذا شيخ العباد؟

وفي ليلة ساكنة، قال الغريب:

الشيطان: يا برصيصا، لقد فتح الله عليك… وإن في دعائك سرًّا عجيبًا… لو أنك دعوت للمبتلين، لنفع الله بك الناس.

رفع برصيصا رأسه.

برصيصا: أنا رجلٌ أفرّ من الناس إلى الله، لا أريد شهرةً ولا اجتماعًا.

الشيطان: بل هو خيرٌ تؤجر عليه… أتزهد في نفع الخلق؟

كان السؤال شديد الذكاء. فكم من بابٍ إلى الفتنة، كُتب عليه: “باب الخير”.

في المدينة، كان لأحد الملوك ابنة، جميلة، شابة، لها إخوة ثلاثة، وكانت قد أصابها مسٌّ واضطراب. كلما عُولجت، عادت حالتها أشدّ مما كانت.

وذات يوم ظهر ذلك الغريب بين الناس، في صورة الناصح المشفق.

الشيطان للناس: ما لها إلا برصيصا. عنده دعوة مستجابة، ونفسٌ طاهرة، وما رُدّت له مسألة.

فمضى الإخوة إلى الصومعة.

نادى أكبرهم: يا برصيصا، لنا أختٌ ابتليت، وقد ضاقت بنا السبل. ادعُ الله لها.

أشاح برصيصا بوجهه.

برصيصا: لستُ بطبيب، ولا أحب مخالطة النساء.

قال الأوسط برجاء:لا نريد منك إلا الدعاء.

قال الأصغر وقد بدا عليه الانكسار: لقد تعبنا… ونخشى عليها الهلاك.

تردد برصيصا، ثم قال: اتركوها في صومعةٍ قريبة، ولا تدخل عليّ، فإذا احتاجت إلى دعاء دعوت لها من بعيد.

وافقوا.

وبُنيت لها صومعة بجانب صومعته.

كانت البداية بريئة في الظاهر.

كان يسمع أنينها، فيتأثر.
ثم يدعو لها.
ثم يقترب من الباب ليسمع جوابها.
ثم يضع الطعام عند العتبة.
ثم يقول في نفسه:

“ما الضير؟ إنما هي مريضة.”
“أنا لا أريد سوءًا.”
“الرحمة لا تنافي العبادة.”

وجاءه الشيطان يهمس: لو أدخلت الطعام بنفسك لكان أرفق بها.
أليست أمانة؟أليس في تركها وحدها قسوة؟ فدخل.

كانت جالسة في ضوءٍ خافت، وجهها شاحب، لكنها على قدر كبيرمن الجمالٍ .

خفض بصره مسرعًا، وخرج.

في الليلة التالية عاد.

ثم صار الحديث كلمات قصيرة.

برصيصا: كيف حالك اليوم؟

الفتاة: أخف من أمس.

برصيصا: اصبري… الفرج قريب.

الفتاة: جزاك الله خيرًا… لولاك لهلكت.

مرّت الأيام، وبدأ الصراع الحقيقي.

في صومعته، قام يصلي، لكن صلاته لم تعد كما كانت.

كلما كبّر، حضرت صورتها.

ضرب صدره بيده.

برصيصا لنفسه: ويحك يا برصيصا! أبعد هذه السنين تنكسر؟ أهذا جزاء العبادة؟

فجاءه الشيطان من ألين الأبواب.

الشيطان: لا تخف… إنما هي نزوة عابرة.
أنت تستطيع التوبة بعدها.
أنت لست كالعامة.
أنت محفوظ بكثرة طاعتك.

وهذه أخطر الخدع: أن يرى الإنسان رصيد طاعته ضمانًا ضد السقوط.

وفي ليلةٍ دخل برصيصا على الفتاة، وكان الشيطان قد زيّن له الخلوة، ولبّس عليه باسم الرحمة والستر والتسلية.

تكلّم، فطال الكلام، وضعف القلب، وغلب الهوى… فوقعت الخطيئة.

سقط.

ولم يكن سقوطه لحظة، بل سلسلة أبواب فتحها واحدًا بعد واحد.

بعد أيام، وقفت الفتاة أمامه، ووجهها ممتقع.

الفتاة بصوت مرتجف: أنا… حامل.

كأن السماء سقطت على رأسه.

تراجع، واصفرّ وجهه، وأمسك بالحائط حتى لا يهوي.

برصيصا: لا… لا… مستحيل…

الفتاة: ماذا أفعل؟ ماذا ستقول لإخوتي؟ ماذا سأقول للناس؟

صار يذرع الصومعة جيئة وذهابًا، يهمهم بكلمات مبتورة.

برصيصا: انتهيت… انتهيت… ضاعت عبادتي…  سيقتلني الناس… سيفضحونني في كل مكان…

وظهر الشيطان في اللحظة التي تبلغ فيها النفس أقصى ضعفها.

الشيطان: ما زال يمكن إصلاح الأمر.

رفع برصيصا رأسه كالغريق.

برصيصا: كيف؟

الشيطان: اقتلها… ثم ادفنها… ثم تب إلى الله.
خطيئة واحدة تُخفى، خير من فضيحة تهدم عمرك كله.

حدّق برصيصا في الفراغ طويلًا.

كان يعلم أن هذا باب جهنم.
لكنه كان قد دخل قبل ذلك أبوابًا ظنها أهون.

ثم قال بصوت مكسور: ثم أتوب؟

الشيطان: نعم… تبكي… تسجد… وتعود كما كنت.

وهكذا أقنعه أن الجريمة علاجٌ للخطيئة.

دخل عليها ليلًا فقتلها.

ثم حفر لها في الظلام قبرًا، ودفنها كما تُدفن الأسرار الثقيلة.

عاد إلى صومعته قبل الفجر، وثيابه ترتجف، وأنفاسه متقطعة، وقلبه قد صار ركامًا.

جلس في الظلام، ينظر إلى يديه.

برصيصا: أهذه يدا عابد… أم قاتل؟

لكن الجرائم لا تبقى مدفونة طويلًا.

ذهب الشيطان إلى إخوتها في مناماتهم، وأراهم مكانها، وأخبرهم بما جرى. فلما أصبحوا، حدّث بعضهم بعضًا، فإذا الرؤيا واحدة، والمكان واحد، والاتهام واحد.

جاؤوا إلى الموضع… فوجدوا طرف ثوبها ظاهرًا من التراب.

ضجّ المكان بالصراخ.

الأخ الأكبر: والله لأقتلنّه!

الأخ الأوسط: هذا العابد؟ هذا الذي وثقنا به؟

الأخ الأصغر وهو يبكي:  تركناها عند الذئب ونحن نحسبه وليًّا!

اقتيد برصيصا إلى الملك.

وجوه الناس التي كانت تهابه أمس، اليوم تبصق عليه.

قال الملك بصرامة: أعابدٌ أنت أم وحش؟ زانٍ… ثم قاتل؟

خفض برصيصا رأسه، وعرف أن النهاية قد أظلّت.

وحين ساقوه إلى موضع القتل، ظهر له الشيطان في صورته الحقيقية، لا في هيئة العابد الزاهد.

ضحك ضحكةً باردة.

الشيطان: أنا صاحبك.

رفع برصيصا بصره مذعورًا أنت!

الشيطان: نعم. أنا الذي دللتُهم عليك، وأنا الذي أوصلتك إلى هنا، وأنا وحدي القادر أن أنجيك الآن.

تعلّقت به عين برصيصا كالمغشي عليه برصيصا: أنقذني… أرجوك… أنقذني!

اقترب الشيطان وهمس:اسجد لي سجدة واحدة… فقط.
سجدة واحدة، وأخلّصك منهم.

بكى برصيصا،وفي تلك اللحظة، لم يكن يختار بين الحياة والموت، بل كان يختار بين خوف عاجل وهلاك أبدي.

لكن القلب الذي تنازل طويلًا، سهل عليه آخر التنازلات.

فأومأ برأسه ساجدا للشيطان.

عندها قال إبليس: إني بريء منك… إني أخاف الله رب العالمين.

ثم اختفى.

وأُخذ برصيصا إلى مصيره، وقد خسر الدنيا والآخرة.

Visited 157 times, 2 visit(s) today

تعليق واحد



اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 16 أبريل, 2025 عدد الزوار : 14489 زائر

خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع