من السنن الإلهية:10- سنة التدافع بين الحق والباطل

تاريخ الإضافة 16 يناير, 2026 الزيارات : 30

10- سنة التدافع بين الحق والباطل

معنى التدافع:

معنى التدافع من الدفع وهو الأخذ بقوة، دفعه يعني ضربه بقوة. وتدافع الناس يعني ازدحموا، ودفع قوله يعني غلبه بالحجة، ودفعه إلى كذا يعني اضطره إليه.
 فمن سنن الله الكونية أن تكون الدنيا دار ابتلاء، ومن الابتلاء فيها التدافع بين الحق والباطل،  فقد أراد الله تعالى أن يكون في هذه الدنيا الأشياء المتقابلة: حق وباطل، ليل ونهار، بياض وسواد ، نوروظلمة، عدل وظلم، فضيلة ورذيلة، حلال وحرام… وبنى الله تعالى الكون على التدافع بينهما، بين الحق والباطل وسائر الأمور.

الدليل عليها:

سنة التدافع ورد الحديث عنها في قول الحق تبارك وتعالى في : “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض”[سورة البقرة الآية 251]

ومعنى الآية الكريمة أنه لولا أن الله قدّر أن يدفع من كان على الباطل أو الظلم ، بمن يوقفه ويضعفه أو يهلكه لفسدت الأرض بغلبة الظلم عليها وانتشار الظلم بين الناس، ولولا هذه السنة الكونية، لاشتد طمع القوى في إهلاك الضعيف، فيتسلط كل ذي شهوة على غيره، وكل قوي على ضعيف، فيهلك القوي الضعيف،

وقال جل وعلا : “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا”[سورة الحج الآية 40]
 بيّن الله عز وجل أن من سننه في الأرض أن يدفع الناس بعضهم ببعض، أي يدفع أهل الظلم والعدوان بأهل الحق، ويكف طغيان فريق بوجود فريق آخر، ولو تُرك الظالم بلا من يردعه لعمّ الفساد وانهدمت أماكن العبادة كلها، فذُكرت الصوامع وهي معابد الرهبان، والبيع وهي كنائس النصارى، والصلوات وهي معابد اليهود، ثم المساجد وهي بيوت المسلمين، فدلّ ذلك على أن المقصود حماية أصل العبادة وذكر الله في الأرض، وأن دفع العدوان سبب لحفظ الدين وأماكن ذكر الله مهما اختلفت الشرائع.

وفي الآية بيان عدل الله وحكمته، وفيها أيضًا دلالة على أن وجود التوازن ودفع الفساد سنة كونية لو تعطلت لفسدت الأرض واندثر ذكر الله فيها، ولهذا ختمها بقوله (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) تأكيدًا أن النصر لمن قام بهذا الدفع نصرةً لدين الله وحفظًا لعبادته.

 

حكم التدافع الإلهية

والله سبحانه وتعالى قدّر سنة التدافع لعدة حكم:

1- ابتلاء للمؤمنين:

الدنيا ليست دار السلامة وليست دار النعيم، النعيم الدائم والسلامة التامة في الجنة إن شاء الله؛أما هنا في الدنيا فنحن في ابتلاء؛ ابتلاء ماذا تختار؟ مع أي الفريقين أنت؟ هل أنت مع أهل الحق أم مع أهل الباطل؟ هل تنصر هؤلاء أم أولئك؟ هل أنت حريص على مرضاة الله أم إرضاء الشيطان وجنوده؟ وهكذا تكون المواجهة في كل عصر وفي كل زمن وفي كل واقع سواء قديمًا أو حديثًا؛ فقدر الله تعالى سنة التدافع ابتلاء لعباده المؤمنين.

2- إظهار لمعاني العبودية لله:

فعباد الله المؤمنين يلجؤون إلى ربهم بالدعاء والرجاء وطلب النصرة والتعلق به سبحانه وتعالى إلى غير ذلك من هذه الأسباب قال تعالى : “الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور”[ سورة البقرة الآية 257] و  “إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين”[سورة الأعراف الآية 196] فيُظهر الله تعالى عبادات يقوم بها أولياؤه لدفع الباطل ما كانت لتتحقق إلا بهذه السنة.

3- فضح أهل الفساد والباطل:

حتى لا يغتر أحد بهم كما قال تعالى : “ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة”[ سورة الأنفال الآية 42]

قضايا كثيرة تقع في الأمة، ولعل من أبرزها قضية فلسطين. هذه القضية كاشفة فاضحة. هناك الكثير من الناس انخدعنا بهم أزمنة طويلة، وهناك جمعيات ومنظمات وهيئات عالمية تتكلم عن حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الطفل، كل هذه الجمعيات انفضحَت الآن وبان زيفها مع قضية فلسطين، وبقيت بقية ممن عندهم نزعة إنسانية وفي قلوبهم الرحمة يقفون بنزاهة وعدالة مع هذه القضية.

فالفتن كاشفة فاضحة؛ من يلبس ثوب الحق يختبر ويُبتلى هل أنت فعلًا من أهل الحق أم أنك من أهل الزيف والنفاق؟

فالله تعالى قال: ( ليهلك من هلك عن بينة) يعني هلك وهو يستحق الهلاك ليس له عند الله حجة وليس له عند الله عذر( ويحيا من حي عن بينة ) يعني يعلم ويوقن أنه على الحق.

دائمًا المرجفون والملحدون وهؤلاء الذين في رؤوسهم العناكب يسألونك لماذا تعتقد أنك على الحق؟

ألا تعتقد أن الحق مع غيرك؟

ألا ترى أنه من الممكن أن تجرب غير ما تعتقد؟

 نقول لك هذه البينات والآيات الواضحات يُظهرها الله تعالى لعباده المؤمنين ليكونوا على بينة وبصيرة أننا والحمد لله على الطريق الصحيح.

هذا الطريق مشى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنبياء من قبله ثم الصحابة والتابعون إلى آخر خيار هذه الأمة، قال تعالى : “ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين”.[سورة الأنعام الآية 34]

4- اصطفاء واختيار:

يصطفي الله من شاء من عباده ليكون من أهل الفردوس الأعلى، ولن ينال أحد هذه الدرجات العلى إلا ببذل الجهد والتضحية والفداء وتقديم النفس والمال لله عز وجل وهذا معنى قول الحق تبارك وتعالى : “إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة”[ سورة التوبة الآية 111]
هناك فرق  بين أهل الحق وأهل الباطل، فأهل الحق الله وليهم وأهل الباطل الشيطان وليهم، وشتان بين هذا وذاك.

لكن يحدث التدافع ويُبقي الله تعالى العزة والغلبه وفق سننه دائمًا لأهل الحق والعاقبة للمتقين. والعاقبة أي النهاية والخاتمة للمتقين.

العاقبة للمتقين

 بعد غزوة أحد التي ارتقى فيها من الصحابة سبعون شهيدًا وحدث في المسلمين جراحات كبيرة؛ وقف أبو سفيان ينادي بأعلى صوته

“اعلُ هبل! اعلُ هبل!” يعني اليوم يومك يا هبل، ورفعه على الجمل إشارة إلى أن إلهه اليوم انتصر.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ألا تجيبوه؟” قالوا: “ما نقول يا رسول الله؟” قال: “قولوا الله أعلى وأجل”.

قال: “لنا العزّى ولا عزّى لكم!”

قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ألا تجيبوه؟” ما نقول يا رسول الله؟ قال: “قولوا الله مولانا ولا مولى لكم”.

قال: “يوم بيوم بدر والحرب سجال!” يعني انهزمنا في يوم بدر واليوم أنتم في أحد، والحرب سجال يعني مرة ومرة.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ألا تجيبوه؟” قالوا: “ما نقول يا رسول الله؟” قال: “قولوا قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار”.

هكذا النبي يؤصّل هذه المعاني في نفوس أصحابه ليتبين لهم طبيعة الطريق وحقيقة الأمر أن هؤلاء وليهم الشيطان ونحن ولينا الله جل في علاه.

السنن الكونية في النصر

والله سبحانه وتعالى لم يقدّر نصرة الحق وفق الطفرات والمعجزات إنما جعله وفق السنن الكونية؛ ولذلك تلاحظون أنه في حادث الإسراء والمعراج ركب النبي  صلى الله عليه وسلم البراق، والبراق دابة سريعة جدًا في سرعتها تشبه سرعة الصاروخ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يضع حافره عند منتهى بصره” يعني مد البصر هذه خطوة وتلك الثانية، سرعة كبيرة جدًا. فمعنى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذ قدرًا كبيرًا في المسافة ما بين مكة والمسجد الأقصى.

 لماذا لم يحدث هذا في الهجرة النبوية؟

لماذا لم يكن البراق؟ لم يأت جبريل للنبي لإنقاذه من القتل بركوب البراق وانتهت المسألة؟

لماذا بقي النبي يمشي في الصحراء أحد عشر يومًا يتخفى بالنهار ويسير بالليل؟

لماذا لم يكن هناك في الأمر معجزة؟

أولًا حدث الإسراء والمعراج آية من آيات الله أراد الله تعالى بها إظهار قوته وإكرامه لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

أما مسألة الهجرة على جمل بشكل طبيعي وفق السنن البشرية، السنن الإلهية للبشر، فهذا ليتعلم الناس أن الحركة للدين تكون وفق قوانين الله المرعية في الكون فلا ينبغي لأحد إهمال هذه السنن ثم يسأل النصر من الله.

فالنبي صلى الله عليه وسلم خطط ودبّر الأمور، أعد راحلتين، كمن في غار ثور ثلاثة أيام، اتجه نحو الجنوب ثم إلى الغرب ثم شمالًا حيث المدينة، أعد من يُجهز له الأخبار ويأتيه بها إلى آخر ذلك من هذه التفصيلات…. هذا كله أخذ بالأسباب، هذا كله إعداد ليعلم الأمة أن الأسباب نتعبد بها لله عز وجل وقلوبنا معلقة بالله سبحانه وتعالى.

والشيء بالشيء يُذكر، لما قصّر الصحابة في الأخذ بالأسباب يوم أحد ونزل أربعون من الرماة من على الجبل وطوق خالد بن الوليد وكان مشركًا في هذا الوقت، طوّق المسلمين وأمطرهم بالسهام، الله تعالى قال: “أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم”[ سورة آل عمران الآية 165] يعني بسبب تفريطكم حدث هذا، حدث هذا وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم خير هذه الأمة صحابة رسول الله الأبرار الأنقياء.

لكن الله تعالى أراد أن يبين أن سننه لا تحابي أحدًا، فلا ينبغي أن تأخذ الأمور بارتجالية أو بعشوائية ثم تقول لماذا لم يأت نصر الله عز وجل.

عبادة الأمل

الله سبحانه وتعالى جعل قلوب المؤمنين معلقة بعبادة الأمل، أنه حتمًا سيأتي النصر من الله وحتمًا سيأتي الفرج من الله، لكن مع الإدراك أن لله حكمة في إظهار هذا النصر أو تقديمه أو تأخيره كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله لا يعجل بعجلة أحدكم” وحينما أقسم أن الله عز وجل سيتم هذا الأمر قال: “ولكنكم قوم تستعجلون”.

ثم كل واحد من المؤمنين في هذا الطريق يعلم أنه إن عاش عاش سعيدًا حميدًا، وإن قُتل قُتل شهيدًا، وإن انقلب انقلب إلى جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر. إذا فالطريق واضح والخطه واضحة.

أما أتباع الشيطان فإن أقصى ما يتمنونه تحقيق نشوة القوة وسفك الدماء والظلم والبغي في الأرض، ثم بعد ذلك أن يملكوا الثروات،ويستمتعوا بالملذات والشهوات ثم بعد ذلك يرحلون عن الدنيا وجزاؤهم في الآخرة الشقاء والعذاب الأليم والعياذ بالله.

إذا فهنا يتضح الطريق لكلا الفريقين.

واجبنا كمسلمين

نحن كمسلمين ما هي عبادتنا؟

التدافع بين الحق والباطل مطلوب وموجود.

فأول خطوة عليك أن تختار أن تكون مع أهل الحق وليس مع أهل الباطل، وليكن شعارك: ( رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ ) [سورة القصص الآية 17]

  • فأنت تدفع الحرام بالحلال، تأكل الحلال وتحرص عليه.
  • وتدفع الرذيلة بالفضيلة بنشرها والكلام عليها والاهتمام بها وأن تكون أول الناس أخذًا بها.
  • تدفع الظلم بالعدل بالمطالبة به وبرفض الظلم إلى غير ذلك.
  • تدفع الكفر ببيان الإيمان، الإيمان بالله عز وجل ورد الشبهات، وهذا معنى البلاغ الذي كلف الله به أنبياءه.
  • وقد يضطر أهل الحق إلى دفع الظلم بالقتال، وهذا الأمر ليس عورة يُستحيا منها ولا شيء يُخزى منه، وكلمة القتال والجهاد البعض يعتبرها سبة في الإسلام، ونحن عندنا في كل أمة من الأمم يفخرون بمقاتليهم وبشهدائهم والذين ضحوا في سبيل الوطن إلى غير ذلك،وكندا عندها يوم المحاربين ويحتفلون بهذا اليوم. من هم المحاربون؟ هم الذين بذلوا دماءهم من أجل هذا الوطن، عندنا في كل أمة يفخرون به ويحرصون على إبرازه وتكريم الشهداء، فإذا كان الأمر متعلقًا بفلسطين قالوا إرهاب!!!
Visited 29 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 16 أبريل, 2025 عدد الزوار : 14425 زائر

خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع