السفر والترويح عن النفس في الصيف

حينما تأتي الإجازة الصيفية، يكثر السفر، إما سفرًا لصلة الرحم، والعودة إلى البلاد، والالتقاء بالأهل والأحباب، وإما السفر من أجل الترويح.
وقد سُمِّيَ السفر سفرًا لأنه يكشف للإنسان كثيرًا من آفاق الأرض، وقيل إنه يُسفِر (أي يكشف) عن أخلاق الرجال.
ولذلك لما قال عمر بن الخطاب لرجل: “ائتني بمن يعرفك في المسجد”، فقام رجل فقال: “أنا أعرفه”.
قال: “لعلك جاره الذي يعرف مداخله ومخارجه؟” قال: “لا”.
قال: “أصاحبته في السفر الذي تعرف به مكارم الأخلاق؟” قال: “لا”.
قال: “أعاملته بالدينار والدرهم الذي يُعرف به ورع الرجل وأمانته؟” قال: “لا”.
قال: “فلعلك رأيته قائمًا في المسجد يصلي؟” قال: “نعم”. قال: “إنك لا تعرفه”.
فالشاهد من كلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن السفر يُعرَف به مكارم الأخلاق.
والترويح عن النفس وتغيير الجو -كما نقول- ومفارقة المكان الذي دَرَجْتَ عليه، وكسر الروتين الذي اعتدت عليه في حياتك، مطلوب، خاصة للمسلمين في هذه البلاد التي تكثر فيها الضغوطات، وتشعر بأن القلق والتوتر جزء من منظومة الحياة في هذه البلاد.
موقف الإسلام من الترويح:
وبعض الناس ظنوا أن الإسلام لا علاقة له بالترويح عن النفس، وليس له علاقة باللعب وما فيه تنشيط للذهن وتنشيط للإنسان بتغيير الجو الذي يعيش فيه، حتى إن بعض الأوساط الدينية جعلوا أن هناك موقفًا عدائيًا بين الترويح وبين التديُّن.
وأبناؤنا في هذه البلاد يقارنون بين زملائهم وحياتهم وأحوالهم، وبين الحياة الروتينية التي يعيشونها بلا تغيير وبلا ترويح، فنحن نريد أن يكون هناك توازن في الأمر، بلا إسراف ولا تقتير.
وليس معنى الترويح أن ينصرف الذهن دائمًا إلى المعاصي والمنكرات، فإن عندنا الكثير من الأماكن والوسائل المباحة والمتاحة التي نستطيع بها الترويح عن النفس وتغيير أو كسر الروتين الذي درجنا عليه في حياتنا.
الترويح في حياة النبي صلى الله عليه وسلم:
ونبينا المصطفى الكريم صلى الله عليه وسلم في إحدى الغزوات، قال لأصحابه: “اسبقونا”، فسبقوه.
فقال لعائشة: “تعالي فسابقيني”. سابق عائشة في الصحراء، في مرة سبقته والمرة الثانية سبقها النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: “هذه بتلك”، (أي واحدة بواحدة كما نقول).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلاعب أحفاده، ويركبهم على ظهره ويقول: “نِعمَ الجمل جملكما، ونِعمَ الراكبان أنتما”.
وأذِنَ النبي صلى الله عليه وسلم للحبشة أن يقوموا بعرض عسكري في المسجد، يلعبون بالحراب، والنبي يشاهد، وأذِنَ لعائشة أيضًا أن تشاهد هذا اللعب بالحراب أو هذا الاستعراض بالحراب لأنهم كانوا يُجيدون ذلك.
إلى غير ذلك من الشواهد الكثيرة التي تبين أن ديننا دين الوسطية، دين لا يجنح إلى الغلو ولا إلى التفريط والتضييع.
فوائد السفر:
في السفر نعم كثيرة:
أولها /التفكر في مُلك الله عز وجل:
وتقليب البصر في هذا الكون، والتأمل في عظمة الله عز وجل في هذا الخلق وهذا الكون الفسيح، وتسبيح الله وتمجيده بما يليق به من العبادات العظيمة التي لا تسمح لنا الحياة القاسية هنا بأن نلتفت إليها.
قال تعالى: “إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ” (سورة آل عمران، آية 190).
فالله تعالى جعل آيات دالة على عظمته وجلاله، وتزيد الإيمان في القلوب لو تأملناها وتأملنا عظمة الله تعالى فيها.
ثانيها/ زيادة الأخوة والروابط الاجتماعية:
هذه الوسائل التي سموها “وسائل التواصل” إنما صنعت ظاهريًا للتقريب بين الناس، لكننا وجدناها تُباعد بين أفراد الأسرة الواحدة!!! ادخل أي بيت الآن تجد كل واحد منكّبًا على هاتفه.
انظر إلى المواصلات، انظر إلى أماكن كثيرة تجمع الناس، حتى المطاعم أوكافيتيريا أومقهى، تجد الناس انقطعت صلتهم ببعض، وأغلبهم يمسك بالهاتف، صار الأمر أشبه بإدمان، إدمان على هذه الهواتف وعلى ترك القريب والتواصل مع البعيد، والبحث عما يُروح عن النفس وهو بحث عن سراب لا تجده في هذه الوسائل.
لو قمنا بعمل صيام عن هذه الوسائل التي بَعَّدَتِ القريب وقطعت الصلة بين الأبناء وآبائهم وبين الأزواج وزوجاتهم، وخرجنا يومًا بلا اتصالات وبلا وسائل تواصل، وقَرَّبْنا من بعضنا، يسمع بعضنا لبعض، ويفهم بعضنا بعضًا، هذه فرصة طيبة ورائعة لإعادة الروح إلى بيوتنا وإعادة الصلة والروابط بين الأزواج وبين الأبناء وآبائهم.
هذا أمر ربما تعدونه من الأمور التافهة، لكن والله أثره المعنوي والتربوي كبير جدًا.
وهناك من الآباء من لا يدرك أبعاد الأمر إلا حينما يريد أن يمنع أبناءه من هذه الوسائل أو أن يحدد ساعات لها، ستجد كأنك منعْتَ عنه الحياة.
هذه الوسائل حوَّلت أبناءنا إلى عبيد لها، عبيد لا يعرفون مفارقتها من ساعة أن يستيقظوا إلى أن يناموا، لا همَّ لأحدهم ولا حولَ له إلا تجاه هذه الألعاب.
فالخروج والترويح وتقوية الصلات واكتشاف المواهب والقدرات؛ كل هذا مطلوب بين أبناء الأسرة الواحدة خاصة، ثم بينك وبين إخوانك في المجتمع الذي تعيش فيه بصفة عامة.
ثالث الفوائد/ في السفر تبرز أخلاق كريمة:
هذه الأخلاق التي لن تظهر إلا في السفر، كخلق الكرم والتعاون والتواضع، أخلاق كثيرة، والحب في الله.
نتعلم أيضًا الإيثار، كيف تقدم صاحبك على نفسك أو أن تقدم من يليك على نفسك لزيادة المحبة والأخوة، وهذه كلها أخلاق لن نراها إلا في السفر وإلا في صحبة السفر.
العبادات في السفر:
ندرك تمامًا أن السفر ليس معناه هجر العبادات، بل نصلي والحمد لله، لكن الله خفف علينا فجعل لنا رخصًا، من الممكن أن نأخذ بها:
- فمن الرخص قصر الصلاة الرباعية وجمعها.
- فيجوز للمسافر أن يجمع الظهر مع العصر وأن يجمع المغرب مع العشاء، جمع تقديم (يعني في وقت الظهر) أو جمع تأخير (يعني في وقت العصر)
- ومن الرخص القصر: نصلي الصلاة الرباعية (الظهر والعصر والعشاء) ركعتين، لأنه لا قصر في الصبح ولا في المغرب.
- ويجوز للمسافر ألا يصلي السنن، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكثر من النفل المطلق فيصلي وهو على راحلته (يعني على جمله) في السفر، وكان لا يترك ركعتي الفجر وركعة الوتر، لكن يكثر من النفل المطلق في سفره، وهذا كله من باب التخفيف على المسافر.
- والذي يترجح لدي بدون تفصيل كبير أن كل سفر سافره النبي صلى الله عليه وسلم قصر فيه الصلاة، لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أي مسافة محددة على وجه الضبط، وإنما كل سفر سافره النبي صلى الله عليه وسلم وخرج فيه من المدينة إلى غيرها كان يقصر الصلاة.
- وهذه المسألة ستريحنا كثيرًا من أعباء وخلافات فقهية نحن في غنى عنها، لأن السفر قائم على التخفيف.
- أيضًا من الأمور التي جعلها الله تعالى للمسافر رخصة أن يجمع ويقصر حتى وإن طالت مدة السفر. ومن حدد المدة بأربعة أيام -كما هو مشهور من مذهب المالكية والحنابلة- هذه مسألة ليست متوافقة مع الأدلة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أقام بمكة تسعة عشر يومًا فكان يجمع ويقصر الصلاة تسعة عشر يومًا وليس أربعة أيام.
- ولذلك قال المحققون من أهل العلم: إن من سافر سفرًا لم ينوِ فيه الإقامة الدائمة، جاز له أن يجمع وأن يقصر بلا حرج حتى يعود إلى مكان إقامته.
فهذه بعض الرخص الشرعية التي نحتاج إليها في هذه السفرات.
ألا نجعل هذه النفقات لإخواننا بغزة؟
بعض الناس يقول بأنه من الأفضل أن نجعل هذه النفقات وهذه الأموال دعمًا لإخواننا بغزة.
نعم، لا ننسى إخواننا بغزة أبدًا، ونحرص دائمًا على أن ندعمهم بكل ما أوتينا من قوة وبكل سبيل، لكن الاعتدال والتوازن في كل شيء مطلوب.
فإذا أغلق الإنسان على نفسه منافذ كل شيء؛ فتصير نفسه مُحطَّمة أو مكتئبة، أو عندها ضغوط كثيرة لا تفارقها، أو توتر وقلق من كثرة ما نشعر به من سيل الأخبار المؤلمة والمُجهِدة للنفس وللقلب، فهنا نقول: ماذا تفعل نفس محطمة في نصرة المستضعفين؟ نحن نحتاج إلى التوازن الذي تعلمناه من نبينا صلى الله عليه وسلم، كان يحزن وكان يتألم وكان يتوجع ولكنه ما ثبت أنه أغلق على نفسه باب بيته ولا استسلم للأحزان، ولم يكن صلى الله عليه وسلم ليمتنع عن الطعام أو الشراب، وإنما كان يباشر حياته ويفكر دائمًا في الأفكار الإيجابية لتدوم الحياة ولتسير الحياة.
والإسلام علمنا أن المسلم لا يطيل الحزن أبدًا، وتعوذ النبي صلى الله عليه وسلم من الهم والحزن وعلمنا ذلك: “اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن”.
فالمسلم سواء حزن لوفاة قريب أو حبيب، أو حزن على أحوال المسلمين وخاصة إخواننا بغزة، أو حزن على شيء شخصي، نقول: هذا الأمر شيء فطري طبيعي، لكن ليس معناه أن يستسلم المسلم للأحزان ولا أن يستكين لها، فإن الحزن يأكل القلب.
والاستسلام للأحزان يأكل القلب، والحزن دائمًا من مداخل الشيطان لليأس والقنوط وعدم الصبر على مشاق الحياة.
انظروا إلى كثير من الناس استسلموا لأحزانهم واستسلموا لواقعهم المرير أو لمآسيهم أو للحياة الصعبة التي نعيشها، كانت النتيجة أن استدرجهم الشيطان من العزلة إلى اللاوعي بالواقع إلى الشرود الدائم إلى التفكير في الانتحار وهكذا، حتى يصل إلى مرحلة من مراحل انعدام الحياة تمامًا.
أنا أتكلم عن واقع نعيشه ونحياه، فلا ينبغي للمسلم أن يصل بنفسه إلى أن تكون نفسًا محطمة أو نفسًا مهشمة، أو يستسلم للأحزان والاكتئاب والأمراض العصرية التي امتلأت بها جنبات المستشفيات وعيادات الطب النفسي.
وإنما نحاول بقدر الإمكان أن نجدد من حياتنا وأن نتحرك في الاتجاه الصحيح ونخطط للمستقبل القريب، مستعينين بالله عز وجل في كل أحوالنا وأمورنا.
والله الكريم أسأل أن ينجينا من الهم والحزن،
وأن يفرج كرب إخواننا في كل مكان،
وأن يجعل لهم خلاصًا مما هم فيه.
اللهم آمين يا رب العالمين.