شرح الفوائد لابن القيم :(7) القيامة قيامتان صغرى وكبرى

تاريخ الإضافة 18 يناير, 2026 الزيارات : 22

(7) القيامة قيامتان صغرى وكبرى

يقول ابن القيم: ثمَّ أخبر عَن الْقِيَامَة الصُّغْرَى وَهِي سكرة الْمَوْت وَأَنَّهَا تَجِيء بِالْحَقِّ وَهُوَ لقاؤه سُبْحَانَهُ والقدوم عَلَيْهِ وَعرض الرّوح عَلَيْهِ وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب الَّذِي تعجل لهَا قبل الْقِيَامَة الْكُبْرَى ثمَّ ذكر الْقِيَامَة الْكُبْرَى بقول (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيد) ثمَّ أخبر عَن أَحْوَال الْخلق فِي هَذَا الْيَوْم وَأَن كل أحد يَأْتِي الله سُبْحَانَهُ ذَلِك الْيَوْم وَمَعَهُ سائق يَسُوقهُ وشهيد يشْهد عَلَيْهِ وَهَذَا غير شَهَادَة جوارحه وَغير شَهَادَة الأَرْض الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا لَهُ عَلَيْهِ وَغير شَهَادَة رَسُوله وَالْمُؤمنِينَ فَإِن الله سُبْحَانَهُ يستشهد على العَبْد الْحفظَة والأنبياء والأمكنة الَّتِي عمِلُوا عَلَيْهَا الْخَيْر وَالشَّر والجلود الَّتِي عصوه بهَا وَلَا يحكم بَينهم بمجرّد علمه وَهُوَ أعدل العادلين وَأحكم الْحَاكِمين، وَلِهَذَا أخبر نبيه أَنه يحكم بَين النَّاس بِمَا سَمعه من إقرارهم وَشَهَادَة البيّنة لَا بمجرّد علمه فَكيف يسوغ لحَاكم أَن يحكم بِمُجَرَّد علمه من غير بيّنة وَلَا إِقْرَار.

الشرح

القيامة الكبرى: هي التي تجمع الخلائق جميعاً يوم القيامة يوم البعث والنشور، وسوق الناس إلى أرض المحشر، والحساب، والجزاء وسميت بالقيامة الكبرى لأنها تجمع كل الخلائق.

 القيامة الصغرى: هي الموت كما ورد في الأثر (من مات قامت قيامته) [1]

ومعناه أن الإنسان إذا مات انتقل مباشرة إلى عالم الجزاء (القبر: نعيم أو عذاب)، وانقطع عمله، وبدأ حسابه الفردي، فكأن قيامته الخاصة قد قامت، وإن كانت القيامة الكبرى لم تقع بعد؛ فبالنسبة لك الدنيا انتهت، أما بالنسبة لغيرك فهي باقية.

وبداية القيامة الصغرى لكل واحد منا عند ابتداء سكرة الموت بالحق، والتي يعقبها خروج الروح، ولقاء الله سبحانه وتعالى، والقدوم عليه، والثواب والعقاب الذي تعجل لها قبل القيامة الكبرى وهذا معنى قول الله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق: 19]، ذلك ما كنت منه تحيد يعني تفر وتهرب تميل من الشيء الذي فيه ضرر إلى الشيء الذي فيه منفعة حينما يصيبك المرض تذهب إلى الطبيب حينما ترى الخطر تفر إلى النجاة… وهكذا.

ذلك ما كنت منه تحيد لكن إذا أراد الله تعالى قبض روح عبد فلا مفر له من الموت

ثم ذكر القيامة الكبرى ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ [ق: 20] أي يوم القيامة

السائق والشهيد يوم القيامة

ثم أخبر عن أخبار الخلق في هذا اليوم ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: 21] وأن كل أحد يأتي الله سبحانه وتعالى ذلك اليوم، ومعه سائق يسوقه من الملائكة، وشهيد يشهد عليه، وهذا غير شهادة جوارحه، وشهادة الأرض التي كان يحيا عليها، ثم شهادة رسوله والمؤمنين

السائق ملك من الملائكة يسوقها إلى أرض المحشر ملك موكل أنه يحضر هذا الإنسان بين يدي الله عز وجل وشهيد الملك الذي كان يكتب كتابه أو أن هذا الملك هو القرين لأن كل واحد فينا كما سنذكر له قرين من الملائكة وقرين من الشياطين فمعنى وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ملك يسوقها وملك يشهد عليها طب ما هو في عندنا في القرآن إن في شهادة الجوارح وفي شهادة الأرض هذا فيما بعد لكن في هذا الموطن يأتي الإنسان ومعه سائق وشهيد من الملائكة

شهود يوم القيامة

الشهود يوم القيامة خمسة ولذلك ربنا قال ﴿﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51]

فأول الشهود الله عز وجل

قال تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [الفتح: 28]

يأتي العبد ربه سبحانه وتعالى فيذكره بأعماله، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المجادلة: 6]

الثاني: الملائكة الكَتَبة

قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 18]،

الثالث: جوارح الإنسان:

قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس: 65]

الرابع: الأرض:

قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [الزلزلة: 1-4]

قال العلماء تحدث أخبارها يعني تشهد بما كان عليها من عمل خيراً كان أو شراً.

الخامس: شهادة رسوله بالبلاغ وشهادة المؤمنين بما رأوا من أعمال.

هؤلاء هم الشهود الخمسة، فيستشهد الله على العباد بالحَفَظة والأنبياء والأماكن التي عملوا عليها الخير والشر، والجلود التي عصوه بها، ولا يحكم بينهم بمجرد علمه وهو أعدل العادلين وأحكم الحاكمين؛ لا يخفى عليه شيء، فهو بذلك تعالى يعلمنا العدل، وأنه سبحانه لا يظلم مثقال ذرة.

وعندنا في الشريعة القاضي إذا كان عنده علم بأن المتهم الذي أمامه هو الذي جنى الجناية سواء قتل أو سرقة أو أياً ما كان لا يجوز أن يقضي بعلمه لا يجوز أن يقضي بعلمه ، لابد من البينة والشهود والدلائل والقرائن، أو إقرار المتهم بنفسه ، لكن لا يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه؛ في هذه الحالة يتحول القاضي لشاهد في القضية، ويقضي فيها قاض آخر؛ ولله المثل الأعلى سبحانه وتعالى يقيم العدل بين عباده ويقيم الشهود حتى يتم العدل في صورته التامة ويتم على العباد قول الله تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ  وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 40]

يقول ولهذا أخبر نبيه ﷺ أنه يحكم بين الناس بما سمعه من إقرارهم وشهادة البينة لا بمجرد علمه من غير بينة ولا إقرار، وهذا هو الحديث النبوي المقصود: ( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا) [2]

يقول ابن القيم: ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ أَن الْإِنْسَان فِي غَفلَة من هَذَا الشَّأْن الَّذِي هُوَ حقيق بِأَن لَا يغْفل عَنهُ وَأَن لَا يزَال على ذكره وباله وَقَالَ (فِي غَفلَة من هَذَا) وَلم يقل عَنهُ كَمَا قَالَ (وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مريب) وَلم يقل فِي شكّ فِيهِ وَجَاء هَذَا فِي الْمصدر وان لم يجيء فِي الْفِعْل فَلَا يُقَال غفلت مِنْهُ وَلَا شَككت مِنْهُ كَأَن غفلته وشكه ابْتِدَاء مِنْهُ فَهُوَ مبدأ غفلته وشكّه وَهَذَا أبلغ من أَن يُقَال فِي غَفلَة عَنهُ وَشك فِيهِ فَإِنَّهُ جعل مَا يَنْبَغِي أَن يكون مبدأ التَّذْكِرَة وَالْيَقِين ومنشأهما مبدأ للغفلة وَالشَّكّ.

الشرح

قال تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق: 22]، وهذا يقال للإنسان الكافر الذي لم يكن عنده إيمان بأن بالبعث والنشور والجزاء؛ فكان في غفلة لا يخطر بباله هذا اليوم.

ولعل هذا في الدنيا هو الملك أو السيد الذي كان أموال وسلطان وعنده أعوان، وكان لا يعتقد أنه سيأتي يوم يحاسب فيه، لأنه متعود أنه هو من يأمر وينهى ويصدر القرارات، والناس عليها أن تستجيب لأوامره؛ فلما يأتي يوم القيامة متهماً ومجرماً فهو لا شك قد كان في غفلة من هذا اليوم، وقد كان يطمئن نفسه أنه لا قيامة ولا بعث ولا جزاء فيعمل ما يشاء… فلما وجد نفسه بين يدي الله يقال له  ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: 22]، يقول ولم يقل عنه يعني لم تكن في غفلة عن هذا كما قال:﴿ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [هود: 110]، ولم يكن في شك فيه يعني التعبير هنا بالمصدر غفلة وشك إشارة إلى انغماسه في هذا المعنى، والتعبير بالمصدر أقوى؛  كما تقول عمر بن الخطاب كان يعدل بين المؤمنين أو بين الرعية كان يعدل هذا فعل لكن لما تقول كان عمر بن الخطاب عدلاً ؛  فهذا أبلغ في التعبير، وفي أول سورة البقرة قال:﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ  فِيهِ  هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2]، كان السياق يقتضي أنه يقول : (ذلك الكتاب هاد للمتقين) اسم فاعل ذلك الكتاب القرآن هاد للمتقين، لكن عبر عن المصدر للدلالة على قوة المعنى؛ وهو أنه مصدر الهداية للمتقين.

فهو لم يقل (لقد كنت غافلاً عن هذا)، إنما قال: (لقد كنت في غفلة من هذا) منغمساً في الغفلة محيطة بك، ونفس المعنى قوله تعالى: (وإنهم لفي شك منه مريب) فهم منغمسون في الشك لا يتسرب إليهم، ولو ذرة إيمان بأن هذا هو الحق رغم وضوحه ورغم جلائه،

قوله: ثمَّ أخبر أَن غطاء الْغَفْلَة والذهول يكْشف عَنهُ ذَلِك الْيَوْم كَمَا يكْشف غطاء النّوم عَن الْقلب فيستيقظ وَعَن الْعين فتنفتح فنسبة كشف هَذَا الغطاء عَن العَبْد عِنْد المعاينة كنسبة كشف غطاء النّوم عَنهُ عِنْد الانتباه.

ثم أخبر الله عن الغافل الذي لم يكن عنده رؤية كأن على عينيه غطاء فهو لا يرى أو أن نظره ضعيف جداً فلا يكاد يبصر إلا على مسافة محدودة من حيز الرؤية فلما يلبس نظارة أو يعالج في نظره يرى الدنيا بشيء آخر!! وهذا أمر يدركه من يلبس نظارة طبية، إذا خلعها يغيب عنه رؤية أشياء كثيرة، فإذا لبسها كأن غطاء انكشف عنه، فهذا تشبيه أو تقريب للصورة.

فالكافر كان يطمئن نفسه ويقول: ما في بعث ما في جزاء ما في حساب؛ الآن هو بين يدي الملك جل جلاله للبعث والحساب والجزاء، وانكشف الغطاء ورأى ما كان يسمع عنه رأي عين، فمعاينة الكافر للبعث والنشور كمعاينة النائم لليقظة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: 22] الآن ترى كل شيء، والأمور صارت واضحة رأي عين.


[1] الأثر من قول ابن عباس رضي الله عنهما: من مات فقد قامت قيامته، أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الموت، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان، وهو موقوف صحيح المعنى.

[2] رواه البخاري في صحيحه كتاب المظالم باب موعظة الإمام الخصوم ورقم الحديث 2458 ومسلم في صحيحه كتاب الأقضية باب الحكم بالظاهر ولحن الحجة ورقم الحديث 1713

Visited 15 times, 1 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 16 أبريل, 2025 عدد الزوار : 14425 زائر

خواطر إيمانية

كتب الدكتور حسين عامر

جديد الموقع