(14) طريقان إلى معرفة الله

يقول الإمام ابن القيم- رحمه الله-: الربُّ يدعو عباده في القرآن إلى معرفته من طريقين: أحدهما النظر في مفعولاته والثاني التفكر في آياته وتدبّرها فتلك آياته المشهودة وهذه آياته المسموعة المعقولة.
النوع الأول: النظر في المخلوقات
فالنوع الأول كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 164] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190] وهو كثير في القرآن.
النوع الثاني: تدبر الآيات
والثاني كقوله تعالى: {﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82] وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: 68] وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]
فأمّا المفعولات فإنها دالّة على الأفعال والأفعال دالّة على الصفات فإن المفعول يدل على فاعل فعله وذلك يستلزم وجوده وقدرته ومشيئته وعلمه لاستحالة صدور الفعل الاختياري من معدوم أو موجود لا قدرة له ولا حياة ولا علم ولا إرادة ثم ما في المفعولات من التخصيصات المتنوّعة دالّ على إرادة الفاعل وأن فعله ليس بالطبع بحيث يكون واحدًا غير متكرر.
- وما فيها من المصالح والحِكم والغايات المحمودة دالّ على حكمته تعالى.
- وما فيها من النفع والإحسان والخير دالّ على رحمته.
- وما فيها من البطش والانتقام والعقوبة دالّ على غضبه.
- وما فيها من الإكرام والتقريب والعناية دالّ على محبته.
- وما فيها من الإهانة والإبعاد والخذلان دالّ على بغضه ومقته.
- وما فيها من ابتداء الشيء في غاية النقص والضعف ثم سوقه إلى تمامه ونهايته دالّ على وقوع المعاد.
- وما فيها من أحوال النبات والحيوان وتصرف المياه دليل على إمكان المعاد.
- وما فيها من ظهور آثار الرحمة والنعمة على خلقه دليل على صحة النبوّات.
- وما فيها من الكمالات التي لو عدمتها كانت ناقصة دليل على أن معطي تلك الكمالات أحق بها.
فمفعولاته أدلّ شيء على صفاته وصدق ما أخبرت به رسله عنه فالمصنوعات شاهدة تصدّق الآيات المسموعات منبّهة على الاستدلال بالآيات المصنوعات قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53] أي أن القرآن حق فأخبر أنه لا بد أن يريهم من آياته المشهودة ما يبيّن لهم أن آياته المتلوّة حق ثم أخبر بكفاية شهادته على صحة خبره بما أقام من الدلائل والبراهين على صدق رسوله.
فآياته شاهدة بصدقه وهو شاهد بصدق رسوله بآياته فهو الشاهد والمشهود له وهو الدليل والمدلول عليه فهو الدليل بنفسه على نفسه كما قال بعض العارفين كيف أطلب الدليل على ما هو دليل لي على كل شيء فأي دليل طلبته عليه فوجوده أظهر منه ولهذا قال الرسل لقومهم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: 10] فهو أعرف من كل معروف وأبين من كل دليل فالأشياء عُرفت به في الحقيقة وإن كان عُرف بها في النظر والاستدلال بأحكامه وأفعاله عليه.
شرح الفائدة
الفائدة هنا بعنوان طريقان لمعرفة الله:
(1) أحدهما النظر في مفعولاته:
كلمة (مفعولاته) يقصد بها المخلوقات فهي الأشياء التي خلقها الله وأوجدها بعد أن لم تكن؛ أي التأمل في آثار أفعال الله تعالى في كل ما خلقه وأوجده في الكون، والمقصود ليس مجرد النظر بالعين فقط بل النظر الذي يصاحبه تفكر وتعقّل وربط بين الخلق والخالق؛ أي تنظر إلى الشيء ثم تسأل نفسك ماذا يدل هذا على من صنعه؟
- فعندما تنظر إلى السماوات والأرض وانتظامها ودقتها فهذا يدل على قدرة الله وعظمته.
- وعندما تنظر إلى خلق الإنسان بتفاصيله الدقيقة فهذا يدل على علم الله وحكمته.
- وعندما ترى النعم المنتشرة في الكون من طعام وهواء وماء فهذا يدل على رحمة الله.
- وعندما ترى العقوبات والابتلاءات فهذا يدل على عدله وغضبه.
إذن النظر في مفعولاته يعني الانتقال من المخلوق إلى الخالق، ومن الأثر إلى المؤثر ومن الصنعة إلى الصانع بحيث لا ترى الكون كأشياء عادية بل كدلائل تشير إلى الله.
(2) وثانيهما التفكر في آياته وتدبرها.
الآيات على نوعين:
- آيات تنزيلية: آيات القرآن الكريم آيات نزلها الله عز وجل فهي تتلى.
- وآيات كونية: تبصر بالعين كقوله: {﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: 23-25]
فالآيات الكونية هي ما جعله الله في الكون دالا على وحدانيته وعظمته جل وعلا فنستدل على رب العزة سبحانه وتعالى بآثار قدرته في الكون، وهذا الكون بامتداده وعظمته يدل على الخلاق العظيم جل جلاله، الذي خلق هذا الكون وأبدعه.
وكما قلنا مثالاً من قبل كمسألة جدلية لو جئنا للذين يعبدون الشمس، والذين يعبدون البقر، والذين يعبدون القمر، والذين يعبدون الأصنام، وأي معبودات أخرى سألناهم (أروني ماذا خلقوا من الأرض) لو أن فعلاً هناك إله يعبد اسمه الشمس أو إله يعبد اسمه البقرة أو إله يعبد اسمه الصنم فلان لابد أن تكون المخلوقات مختلفة.
يعني المسلمون الذين يعبدون رب العالمين مثلاً يكون شكلهم مختلفاً عن الذين يعبدون الشمس لأنها خلقتهم بطريقة مختلفة؛ فكون أن العباد كلهم في البنية الإنسانية واحد فهذا معناه أن الخالق واحد، قال تعالى : ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: 16] فأكبر دليل على بطلان ما تعبدون أنها لم تخلق شيئاً، فلو خلقت لعبدت. لكن بما أن الله هو خالق كل شيء فاعبدوه سبحانه وتعالى فهو الأولى بالعبادة. أما أن تكون على يقين أن الله هو الذي خلق كل هذه الكائنات ثم تعبد غيره فأنت عندك مكابرة، ومعاندة وصدود عن اتباع الحق؛ فكيف تعبد من لم يخلق ولم يرزق ولا يضر ولا ينفع.
فأما المفعولات فإنها دالة على الأفعال: عندما ترى خلق الشمس والقمر والإنسان والحيوان، وتنظيم الكون، وتوزيع الأرزاق كل هذا دال على أفعال الله. دالة على القدرة والرحمة والعلم والعظمة، لأن الصنعة يظهر أثر الصانع فيها. عندما ترى بناء محكما تقول هذا يدل على إتقان المهندس الذي قام بالتصميم. ويدل على إتقان العامل الذي نفذ، ويدل على حرفية وبراعة ومهارة، فمن الصنعة تستدل على من صنع وهذا بشر فما بالك بالله عز وجل.
انظر إلى الكائنات حولك وتوزيع الألوان وتنسيقها والتوازن الموجود في الكون والقوانين الثابتة التي لا تتبدل ولا تتغير.
حركة الشمس والقمر والأفلاك والنجوم والأرض والأرزاق والتدبير، كل هذا دال على أفعال الله والأفعال دالة على الصفات، فإن المفعول يدل على فاعل فعله وذلك يستلزم وجوده وقدرته ومشيئته وعلمه لاستحالة صدور الفعل الاختياري من معدوم أو موجود لا قدرة له ولا حياة ولا علم ولا إرادة.
الصدفة شيء لا يتكرر:
لو ضربنا مثالاً: الكراسي المعدة لغير القادرين على القيام لو قمنا بجمعها في آخر المسجد، ثم جاء من يفتح المسجد فوجد كرسياً في وسط المسجد؛ بداهة هل سيفكر أن هذا الكرسي نقل نفسه من آخر المسجد إلى وسطه؟ مستحيل.
قد يكون هذا صدفة إن حصل زلزال فطلع الكرسي مثلاً عشرين خطوة للأمام أو ريح أو هواء. لكن كل يوم نجد الكرسي موجوداً في منتصف المسجد فلا بد أن هناك واحداً ينقله؛ فالصدفة لا تتكرر.
فلو أن الكون هذا كله جاء صدفة كما يقول الملحدون فكيف تشرق الشمس بموعد دقيق وتغرب بموعد دقيق؟ إذاً الصدفة لا مجال لها في خلق هذا الكون أبدا.
قصة الإمام أبي حنيفة مع الزنادقة
وتذكرون قصة الإمام أبي حنيفة عندما واعد جماعة من الزنادقة وتأخر عليهم طويلا، فلما أقبل عليهم بادروه بالسؤال: لماذا تأخرت علينا كل هذا الوقت ونحن ننتظرك؟ قال لقد حدث عجبا كنت أقف على شط الفرات أنتظر قدوم سفينة لآتيكم فلم أجد وانتظرت طويلا؛ فبينما أنا كذلك فجأة وقعت شجرة ضخمة صدفة وانشقت ألواحاً وحدها صدفة، ثم طارت المسامير من باطن الأرض بالصدفة، وبالصدفة اندقت المسامير في الألواح فصارت على هيئة مركب بالصدفة، ثم صدفة رأيت شراعا يطير في الهواء فالتصق بالسفينة صدفة فركبت وجئتكم!!!
قالوا: هل أصابك جنون أو خفة عقل يا أبا حنيفة؟ كل هذا حدث صدفة؟ كيف نصدق هذا؟
قال أنتم تقولون ما هو أعظم من ذلك!! تدعون أن هذه السماوات وهذه الأرضين وجدت بدون موجد وصنعت بدون صانع!!!
ولذلك حتى الرسل لم يأتوا لإثبات وجود الله لأن وجود الله فطرة مركوزة في الأنفس، جميع الرسل جاءوا لتصحيح الاعتقاد في الله، لأنهم وجدوا أقوامهم يعبدون الله ولكن يشركون معه غيره كالأصنام والنجوم.، ولم يأت رسول لإثبات وجود الله.
الكون العظيم يدل على إله قادر:
وما نراه في المخلوقات من التخصيصات المتنوعة دالة على إرادة الفاعل. الفنان يصنع من خشب الشجرة خزانة وطاولة ومكتباً وسريراً وهذا دلالة على أن عنده عقلاً وإرادة وفهماً.
ولله المثل الأعلى: الكون العظيم بتوازناته وقوانينه وتدبيره يدل على إله قادر وعالم ورازق ومدبر، وما في المفعولات من المصالح والحكم والغايات المحمودة دال على حكمته تعالى، وجهلك بالحكمة ليس معناه عدم وجود الحكمة، فعدم إدراك الشيء ليس دليلاً على عدمه، إنما هو القصور في إدراكك أنت.
والعلماء يقولون: (أحسن الظن بربك وأسئ الظن بنفسك) أحسن الظن بربك بمعنى أن أفعاله لا تخلو من حكمة، وأسئ الظن بنفسك أن عقلك لم يدرك الحكمة، فعدم معرفتك للحكمة قد يكون لأن الله لم يأذن بذلك ليتعبدك بعبودية التسليم لأمره، والثقة في تدبيره؛ كالجندي الذي يربى في الخدمة العسكرية على الطاعة لكي ينفذ الأمر وإن رفضه عقله.
ولله المثل الأعلى فأنت تثق أن الله لا يظلم مثقال ذرة وأن له تقديراً وتدبيراً لا يخلو من حكمة، فالمخلوقات تدل على حكمته، وما فيها من المنافع دال على رحمته، وما فيها من البطش والعقوبة دال على غضبه، وما فيها من الإكرام دال على محبته، وما فيها من الإهانة والخذلان دال على بغضه ومقته.
إثبات البعث:
ابتداء الشيء في غاية النقص والضعف ثم سوقه إلى تمامه دال على وقوع المعاد (البعث) كأحوال النبات والحيوان وتصرف المياه، قال تعالى: ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: 5-7] وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: 9-11]
فمفعولاته أدل شيء على صفاته، والمصنوعات شاهدة تصدق الآيات المسموعة قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53]
فالله عز وجل لا يحتاج للتدليل على وجوده، ولكنه أوجد الأدلة وهدانا إليها، هو الدليل بنفسه على نفسه.
وكما قال بعض العارفين: ( كيف أطلب الدليل على ما هو دليل لي على كل شيء فأي دليل طلبته عليه فوجوده أظهر منه) وهذه عبارة تحتاج إلى فهم دقيق ؛ فهي لا تعني إسقاط الأدلة أو الاستغناء عن النظر، وإنما تعني أن ظهور الله من جهة آياته وآثاره، وبديهة الفطرة، ووضوح دلائل ربوبيته أعظم من أن يكون خفيا يحتاج إلى تكلف بعيد، فالناس يطلبون الدليل عادة على ما يخفى؛ أما الله سبحانه فدلائله في كل شيء؛ بل لا يعرف شيء على الحقيقة إلا به، ومنه ، وله، فهو أظهر من كل ما يستدل به عليه، لأن كل دليل إنما صار دليلا بما أودع الله فيه من الدلالة، ولهذا قالت الرسل لأقوامهم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: 10] فهذا استفهام إنكاري معناه أن وجوده وربوبيته وآثار قدرته أوضح من أن تكون محلا للشك عند من ينظر نظر سلامة وإنصاف وليس المقصود أن كل أحد يعلم جميع تفاصيل صفاته وأحكامه بالفطرة المجردة بل المقصود أن أصل الدلالة عليه ظاهر جدا وأن الشك فيه ليس ناشئا عن غموض في الدليل وإنما ينشأ غالبا عن فساد في القصد أو إعراض أو كبر أو تقليد أو غلبة شهوة أو شبهة.
الإيمان بوجود الله فطرة:
كل مولود يولد على الفطرة، فطرة الإيمان بوجود الله، كما ورد في الحديث: (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ” [رواه البخاري ومسلم] وهو سبحانه أعرف من كل معروف وأبين من كل دليل، كما قال بعض السلف: أغنى الصباح عن المصباح؛ متى احتاج النهار إلى دليل؟ فمن يطلب الدليل على وجود الله كمن يبحث عن مصباح في رابعة النهار والشمس طالعة، فكل الأشياء عرفت به في الحقيقة، وإن كان عرف بها في النظر، والاستدلال بأحكامه، وأفعاله عليه ، ومعنى كلام ابن القيم: إننا من جهة النظر العقلي نستدل بالمخلوقات على الخالق وهذا صحيح لكن من جهة الحقيقة العميقة فإن كل معرفة لشيء إنما تحصل بنوره وهدايته وخلقه وتمكينه وتعريفه فالوجود كله قائم به والعلم كله منه، والهداية كلها بيده، فالأشياء عرفت به في الحقيقة ،لأنه موجدها، ومظهرها، ومعرّف العباد بها، وعرفت به أيضا لأنه الذي خلق في العقل قابلية الاستدلال، ثم مع ذلك هي تعرف به في النظر لأن الناظر يبدأ عادة من الأثر ليصل إلى المؤثر فلا تناقض بين الأمرين بل كل واحد منهما باعتبار.
فخلاصة مراد ابن القيم في هذا الموضع أن الله عرّف عباده بنفسه تعريفا تاما من جهتين متكاملتين جهة الكون وجهة الوحي، وأن المخلوقات ليست فقط دليلا على وجوده؛ بل على كثير من صفاته وأفعاله وحكمته ورحمته وعدله، وأن هذه الدلالات تؤيد صدق الرسل، وما أخبروا به من المعاد والجزاء، وأن الرب سبحانه من شدة ظهور آياته وقيامه على خلقه صار هو الدليل الأعظم على نفسه كما أنه الغاية التي تنتهي إليها جميع الأدلة فإذا استقام نظر العبد في الكون وتدبره للوحي زال عنه الريب وترسخ في قلبه اليقين، فمن نظر في المخلوقات على هذا الوجه أورثه ذلك تعظيما لله ومحبة له وحياء منه وخوفا من عقابه ورجاء لرحمته، ومن تدبر القرآن على هذا الوجه صار يسمع الآيات بوصفها خطابا من الرب الدال عليه، والهادي إليه، والجامع بين الطريقين هو الذي يحقق مقام المعرفة التي تثمر العبودية لا المعرفة الذهنية فقط.