صفحة فيسبوك قناة يوتيوب

الإسلام رسالة سماوية وليس حقبة تاريخية

تاريخ الإضافة 12 يونيو, 2026 الزيارات : 5

الإسلام رسالة سماوية وليس حقبة تاريخية

هناك اتجاه لبعض المستشرقين عندما يتكلمون عن الإسلام يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في قوم يعبدون الأصنام، ويشربون الخمر ويلعبون الميسر، ويقتلون البنات، وهن صغار، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قام بعلاج كل ذلك، فأهل الجزيرة العربية دخلوا في دين الله أفواجا، وكسرت الأصنام ، وانتهوا عن شرب الخمر؛ وانتهى الأمر والحمد لله رب العالمين ، وهذا الكلام يريدون من خلاله أن يجعلوا الإسلام حقبة تاريخية مرت، وانتهت، فالنبي صلى الله عليه وسلم جاء ليعالج أمراضًا في المجتمع ، ونجح في علاجها ، فلا بد وأن نتذاكر هذه الأحداث وهذه المواقف على أنها من التاريخ، ولا علاقة لها بالواقع لكن الذي يجهله الكثيرون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث لقريش ومشركي مكة وعباد الأصنام إنما بعث للعالمين قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سورة سبأ: الآية 28] فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو رسول الله إلى العالمين.

التحرر من العبودية لغير الله

لو أردت أن تسأل ما هو ملخص رسالة الإسلام؟

أقول لك في جملة واحدة التحرر من كل عبودية لغير الله ؛ كما قال علي بن أبي طالب : كن عبدًا لله تكن حرًا ، أي لا تكن عبدًا لغير الله، والعبودية لغير الله لها أشكال وألوان متعددة، فجاء الإسلام ليعز أتباعه بعز التوحيد، ويرفعهم من ذلهم لعبيد أمثالهم إلى عز طاعة الله عز وجل {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [سورة فاطر: الآية 10] {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة المنافقون: الآية 8]

فنقل الإسلام الناس من عبودية البشر، أو عبودية الشهوات، وأسر العادات والتقليد الأعمى لآبائهم إلى العبودية لله وحده بأن تكون طاعة الله تعالى واتباع منهجه هي السبيل الوحيد للسعادة في الدنيا والآخرة ، فالذي يضبط حركتك في الكون في شؤون حياتك، وفي تصوراتك، وفي مبتدئك ومنتهاك هو منهج الله {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [سورة الأنعام: الآية 153].

وعي الرعيل الأول برسالة الإسلام

كان هذا المعنى واضحًا جليًا في ذهن الصحابة الجيل الأول رضوان الله عليهم، كربعي بن عامر حينما وقف قبل معركة القادسية أمام رستم قائد الفرس وقال له رستم ما الذي جاء بكم؟

 فأجاب ربعي قائلا: الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

هذه هي رسالة الإسلام للعالمين ، نحن لا ندعو في ديننا لنفع شخصي ولا لربح أموال، ولا نعد الناس بالسمن والعسل ؛ إنما نقول للناس تعالوا هذا هو السبيل لمرضاة الله بالتحرر من كل سلطان ومن كل عبودية لغير الله عز وجل فجاء النبي صلى الله عليه وسلم لينتشل الناس من أوحال الشرك إلى عز التوحيد ارتقى بهم فبدلا من عبادتهم حجرًا أو صنمًا من عجوة صارت العبودية لرب السماوات والأرض جل جلاله.

لفتة الشيخ الشعراوي حول عبادة الأصنام

كان الشيخ الشعراوي له لفتة جميلة في تفسير سورة الأعراف قال: هؤلاء الذين يعبدون الأصنام ؛ نسألهم هل الأصنام كان لها رسلا؟ هل الصنم أرسل إليكم رسولا وقال لهم اعبدوني؟ هل كان لها منهج أو قرآن ؟ كلا لا الأصنام تكلمت ولا كان لها منهج ولا كان لها رسل!!

لقد كانت المشكلة مع من هم وراء هذه الأصنام السادة الذين يوجهون العبيد لخدمتهم فيحلّون ما في مصلحتهم، ويحرمون ما فيه ضررًا عليهم ويأمرون العبيد باسم الآلهة المزعومة افعلوا كذا واتركوا كذا فمن خالف الآلهة فقد كفر وتزندق ، وهذا جزاؤه القتل !!

فجاء الإسلام ليقول : كل العباد سواء عند الله، ومن يتولى أمرك (الحاكم) هو عبد مثلك، ليس له قداسة، لا هو إله، ولا نصف إله، بشر مثلك، يصيب ويخطئ، ولذلك كانت نظرة المسلمين إلى من يلي أمر الأمة أنه أجير عند الأمة ، موظف عند الأمة .

لما دخل رجل على معاوية رضي الله عنه قال: السلام عليك أيها الأجير، فصحح له الناس، قالوا: قل: أيها الأمير!! قال: السلام عليك أيها الأجير.

قالوا : الأمير الأمير ، فقال لهم معاوية رضي الله عنه إن الرجل أبصر بما يقول، فكانوا يعلمون أن الحاكم أجير عند الأمة.

أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول: أطيعوني ما أطعت الله فيكمأطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم – ويعلم الله أن أبا بكر خير الأمة بعد نبيها رضي الله عنه- فالحاكم يعارض وينقد ويصيب ويخطئ لكنه ليس إلهًا ولا ملكًا ولا نبيًا معصومًا .

تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه على العزة

ولذلك سيدنا النبي لم يكن يربي أتباعه على المذلة ولا الخنوع إنما كان يربيهم على العزة؛ لدرجة أن الرسول صلوات ربي وتسليماته عليه لما كان يقبل عليهم فيقفون له احترامًا؛ فيمنعهم ويقول: لا تقفوا لي كما يقف الأعاجم ، فكان يربي الصحابة على العزة، ويربيهم على أن يعرضوا آراءهم ولا يهابوا فجاء الإسلام فحرر أتباعه من العبودية للبشر.

التحرر من عبودية الشهوات والمادة

الأمر الثاني حرر أتباعه من الشهوات أي شخص عبد لشهواته فهو ذليل خانع؛ كالذبابة التي تسقط في بحر العسل ففيه هلاكها، ولكنها تظن أن فيه السعادة بسبب حلاوة العسل، فكثير من عبيد الشهوات استذلتهم شهواتهم، وجعلتهم خانعين جبناء ينافق يكذب ، فجاء الإسلام ليعلمك أن ما قدر على فكيك أن تمضغاه فستمضغاه فامضغه بعزة !! فرزقك سيأتيك، و أجلك في موعد قدره الله إذًا لا يستطيع بشر أن يحول بينك وبين رزقك، أو أن يمنع عنك أجلك.

 وفي هذا المعنى يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تَعِسَ عبدُ الدِّينارِ، وعَبدُ الدِّرهَمِ، وعَبدُ الخَميصةِ، إن أُعطيَ رَضيَ، وإن لَم يُعطَ سَخِطَ، تَعِسَ وانتَكَسَ، وإذا شيكَ فلا انتَقَشَ) نسأل الله العفو والعافية.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا». تخريجه: أخرجه الإمام مسلم

فأغلى ما عندي ديني ؛ أي شيء أمام الدين لا قيمة له فأغلى ما عندي ديني أما عبد الشهوات فإنه مستذل .

الترابط بين الفساد السياسي والفساد الأخلاقي

النبي صلى الله عليه وسلم في حديث له عن علامات الساعة ، هذا الحديث قرأته كثيرا جدًا ، وهو: عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا» أخرجه مسلم

كنا نذكر هذا الحديث هكذا دون تدبر للعلاقة بين الصنفين ؛ سبحان الله وجدت ربطا عجيبا بينهما للشيخ القرضاوي رحمه الله: قال: ما العلاقة بين الصنفين : حاكم ظالم يجلد ظهور الناس، ونساء كاسيات عاريات؟

قال: إن الفساد السياسي يتبعه فساد أخلاقي ومن مصلحة الحاكم الظالم أن يغرق الناس في بحور الشهوات وبحور الظلمات فكلما كان الناس مغمورين في شهواتهم كان الحاكم مع فساده وظلمه بخير فيعلو ويستبد ويفعل ما يشاء، فبين النبي صلى الله عليه وسلم الرابط بين الصنفين أن الفساد السياسي يتبعه فساد أخلاقي !!!

وقد سمعت معنى هذا الكلام بنفسي من ممثل مصري على الهواء قال:أنا عايز أقول حاجة كده : زودوا العري شوية !! يقول هكذا على الهواء زودوا العري شوية خلوا الشباب يبطلوا مظاهرات وثورات وبتاع واشغلوهم بحاجة تانية!!!

إذن الإسلام جاء ليجعل أتباعه أعزة لا تأسرهم شهوة ولا تذلهم لقمة، ولا يجرون وراء شيء رخيص، يبيعون أغلى ما عندهم وهو دينهم ابتغاء عرض زائل ، ولذلك أي شخص يستطيع أن يتحرر من شهوة نفسه فهو الرابح  حقا في الدنيا والآخرة .

التحرر من سلطان العادات والتقليد الأعمى

الأمر الثالث والأخير: التحرر من سلطان العادات والتقليد الأعمى، كان الأنبياء إذا كلموا أقوامهم في عبادة الله وحده؛ قالوا: هذا ما وجدنا عليه آباءنا   فعلم الإسلام أتباعه كيف يتحررون من سلطان العادة والتقليد الأعمى؟  وكيف تكون عبدًا لله عز وجل وحده؛ تأتمر بأمره وتنتهي بنهيه.

وعلمنا كيف نحرك عقولنا ونستعملها اقرأ القرآن الكريم لقوم يعلمون يفقهون أفلا تسمعون أفلا تبصرون لقوم يسمعون لماذا؟

حتى لا يكن عقلك أسيرًا للعادات والأعراف الخاطئة بتقليد أعمى ، ولا أن تكون ذيلاً تابعًا ذليلاً لغيرك؛ فلا تكن أعمى تنتظر من يقودك يمينًا أو شمالاً إنما يعطيك مصباح الهداية تمضي به {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} [سورة الأنعام: الآية 122] 

الخلاصة:

إن رسالة رسول الله لم تكن لأهل مكة ولا لمشركي قريش فقط إنما هي رسالة للعالم أجمع يتحرر بها العباد من كل سلطان وعبودية إلا لله عز وجل وهذا معنى قولك لا إله إلا الله، فلا تعبد إلا الله، ولا تقصد في عبادتك إلا الله، ولا تخشى من ذي سلطان ظالم، ولا تكن عبدًا لشهوة ولا لخميصة ولا لدينار ولا لدرهم، ولا تكن عبدًا لعادة ،أو تقليد أعمى؛ إنما تبغي العزة بالله، ولله، وعلى منهج الله .

Visited 3 times, 3 visit(s) today


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


تحميل الدروس والمحاضرات

يمكنكم تحميل جميع دروس ومحاضرات فضيلة الدكتور بصيغة ملفات صوتية بالنقر على هذا الزر

قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية


جديد الموقع

مواقع التواصل الاجتماعي

Site Statistics
  • Today's visitors: 1,064
  • Today's page views: : 1,151
  • Total visitors : 60,817
  • Total page views: 67,001