ترجمة الشيخ سيد سابق رحمه الله

تاريخ الإضافة 7 أكتوبر, 2023 الزيارات : 10141

ترجمة الشيخ سيد سابق رحمه الله

العالِم الكبير والداعية الفقيه للشيخ يوسف القرضاوي

انضم إلى موكب الراحلين من كبار العلماء عن دنيانا العالم الكبير الفقيه الداعية المُربِّي الشيخ سيد سابق -رحمه الله- الذي انتقل إلى جوار ربه مساء يوم الأحد 23 من ذي القعدة 1420هـ الموافق 27/2/2000م عن عمر يناهز 85 سنة.


كان الشيخ سيد سابق أحد علماء الأزهر الذين تخرجوا في كلية الشريعة، وقد اتصل بالإمام الشهيد حسن البنا وبايعه على العمل للإسلام ونشر دعوته، وجمع الأمة على كلمته، وتفقيهها في شريعته، وأصبح عضوًا في جماعة (الإخوان المسلمين) منذ كان طالبًا.

كان معاصرًا لإخوانه من أبناء الأزهر النابهين الذين انضموا إلى قافلة الإخوان المسلمين من أمثال الشيخ محمد الغزالي، والشيخ عبد المعز عبد الستار، وغيرهما، وإن كانوا هم في كلية أصول الدين، وهو في كلية الشريعة.


اشتغل الشيخ سيد سابق بالفقه أكثر مما اشتغل إخوانه من الدعاة الأزهريين؛ لأنه الأليق بتخصصه في كلية الشريعة، وقد بدأ يكتب في مجلة الإخوان الأسبوعية مقالة مختصرة في فقه الطهارة، معتمدًا على كتب (فقه الحديث) وهي التي تعنى بالأحكام، مثل (سبل السلام) للصنعاني، وشرح (بلوغ المرام) للحافظ ابن حجر، ومثل (نيل الأوطار) للشوكاني، وشرح (منتقى الأخيار من أحاديث سيد الأخيار) لابن تيمية الجد.
ومستفيدًا من كتاب (الدين الخالص) للعلامة الشيخ محمود خطاب السبكي، مؤسس (الجمعية الشرعية) في مصر، وأول رئيس لها، الذي ظهر منه تسعة أجزاء في فقه العبادات، ومن غير ذلك من المصادر المختلفة، مثل (المغني) لابن قدامة، و(زاد المعاد) لابن القيم، وغيرهما.


وقد اعتمد الشيخ سيد -رحمه الله- منهجًا يقوم على طرح التعصب للمذاهب مع عدم تجريحها، والاستناد إلى أدلة الكتاب والسنة والإجماع، وتبسيط العبارة للقارئ بعيدًا عن تعقيد المصطلحات، وعمق التعليلات، والميل إلى التسهيل والتيسير على الناس، والترخيص لهم فيما يقبل الترخيص، فإن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه، وكما يكره أن تؤتى معصيته، وحتى يحب الناس الدين ويقبلوا عليه، كما يحرص على بيان الحكمة من التكليف، اقتداء بالقرآن في تعليل الأحكام.


وكان من التسهيل الذي اتبعه الشيخ في منهجه الذي ارتضاه في كتابة الفقه البعد عن ذكر الخلاف إلا ما لا بد منه، فيذكر الأقوال في المسألة، ويختار الراجح أو الأرجح في الغالب، وأحيانًا يترك الأمر دون أن يرجح رأيًا، حيث لم يتضح له الراجح، أو تكافأت عنده الأقوال والأدلة، فيرى من الأمانة أن يدع الأمر للقارئ يتحمل مسئولية اختياره، أو يسأل عالمًا آخر، وهذا ما لا يسع العالم غيره.


أصدر الشيخ سيد الجزء الأول من كتابه الذي سماه (فقه السنة) في أواسط الأربعينات من القرن العشرين الميلادي، أو في سنة 1365هـ وهو رسالة صغيرة الحجم، من القطع الصغير، وكان في (فقه الطهارة)، وقد صدره بمقدمة من المرشد العام للإخوان المسلمين الشيخ الإمام حسن البنا، تنوه بمنهج الشيخ في الكتابة، وحسن طريقته في عرض الفقه، وتحبيبه إلى الناس، ومما جاء في هذه المقدمة قوله -عليه رحمة الله:


أما بعد.. فإن من أعظم القربات إلى الله -تبارك وتعالى- نشر الدعوة الإسلامية، وبث الأحكام الدينية، وبخاصة ما يتصل منها بهذه النواحي الفقهية، حتى يكون الناس على بينة من أمرهم في عبادتهم وأعمالهم، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما العلم بالتعلم، وإن الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر”.

 

وإن من ألطف الأساليب وأنفعها وأقربها إلى القلوب والعقول في دراسة الفقه الإسلامي – وبخاصة في أحكام العبادات، وفي الدراسات العامة التي تقدم لجمهور الأمة – البعد به عن المصطلحات الفنية، والتفريعات الكثيرة الفرضية، ووصله ما أمكن ذلك بمآخذ الأدلة من الكتاب والسنة في سهولة ويسر، والتنبيه على الحكم والفوائد ما أتيحت لذلك الفرصة، حتى يشعر القارئون المتفقهون بأنهم موصولون بالله ورسوله، مستفيدون في الآخرة والأولى، وفي ذلك أكبر حافز لهم على الاستزادة من المعرفة، والإقبال على العلم.

 

وقد وفق الله الأخ الفاضل الأستاذ الشيخ: السيد سابق، إلى سلوك هذه السبيل، فوضع هذه الرسالة السهلة المأخذ، الجمة الفائدة، وأوضح فيها الأحكام الفقهية بهذا الأسلوب الجميل؛ فاستحق بذلك مثوبة الله إن شاء الله، وإعجاب الغيورين على هذا الدين، فجزاه الله عن دينه وأمته ودعوته خير الجزاء، ونفع به، وأجرى على يديه الخير لنفسه وللناس، آمين.


وقال الشيخ سابق في مقدمته القصيرة المختصرة التي قدم بها كتابه:

هذا الكتاب يتناول مسائل من الفقه الإسلامي مقرونة بأدلتها من صريح الكتاب وصحيح السنة، ومما أجمعت عليه الأمة.

وقد عرضت في يسر وسهولة، وبسط واستيعاب لكثير مما يحتاج إليه المسلم، مع تجنب ذكر الخلاف إلا إذا وجد ما يسوغ ذكره فنشير إليه.

والكتاب يعطي صورة صحيحة للفقه الإسلامي الذي بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم، ويفتح للناس باب الفهم عن الله ورسوله، ويجمعهم على الكتاب والسنة، ويقضي على الخلاف وبدعة التعصب للمذاهب، كما يقضي على الخرافة القائلة: بأن باب الاجتهاد قد سُدّ .


ظل الشيخ سيد يوالي الكتابة في الفقه بعد ذلك، ويخرج في كل فترة جزءاً من هذا القطع الصغير حتى اكتمل أربعة عشر جزءاً، ثم صدر بعد ذلك في ثلاثة أجزاء كبيرة. واستمر تأليفه نحو عشرين سنة على ما أظن.

سَدَّ كتاب الشيخ سيد سابق فراغًا في المكتبة الإسلامية في مجال فقه السنة، الذي لا يرتبط بمذهب من المذاهب، ولهذا أقبل عليه عامة المثقفين الذين لم ينشأوا على الالتزام بمذهب معين أو التعصب له، وكان مصدرًا سهلاً لهم يرجعون إليه كلما احتاجوا إلى مراجعة مسألة من المسائل.


وقد انتشر الكتاب انتشارًا، وطبعه بعض الناس بدون إذن مؤلفه مرات ومرات، كما يفعلون مع غيره من الكتب التي يطلبها الناس.


ربما انتقد (فقه السنة) بعض المذهبيين المتشددين في اتباع المذاهب، والذين اعتبروا الكتاب داعية إلى ما سموه (اللامذهبية)، وهي – كما قالوا – قنطرة إلى (اللادينية)!
وأنا اعتقد أن مؤلف الكتاب – وإن لم يلتزم مذهبًا بعينه – لا يُعَدُّ من دعاة (اللامذهبية) لأنه لم يذم المذاهب، ولم ينكر عليها.


كما أعتقد أن مثل هذا النوع من التأليف ضرورة للمسلم الجديد، الذي يدخل في الإسلام الواسع دون التزام بمدرسة أو مذهب، وكذلك المسلم العصري الذي لا يريد أن يربط نفسه بمذهب معين في كل المسائل، بل يأخذ بما صح دليله، ووضح سبيله.


كما انتقد الكتاب بعض العلماء الذين يرون أن الشيخ – وقد تحرر من المذاهب- لم يعطِ فقه المقارنة والموازنة حقها، في مناقشة الأدلة النقلية والعقلية، والموازنة العلمية بينها، واختيار الأرجح بعد ذلك على بينة وبصيرة.


والجواب عن ذلك: أن الشيخ لم يكتب كتابه للعلماء، بل لجمهور المتعلمين، الذين يحتاجون إلى التسهيل والتيسير، سواء في الشكل أم المضمون، وتوخي طريقة التسهيل والتبسيط، وكل ميسر لما خلق له.


وممن انتقد الكتاب المحدث المعروف الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله ، وقد ألف في ذلك كتابًا أسماه (تمام المنة بالتعليق على فقه السنة) يتضمن جملة تعقيبات وانتقادات على الكتاب، ونقده يتمثل في أمرين أساسيين:
الأول: فيما يتعلق بالحديث الذي يستدل به (فقه السنة) وهو ضعيف في نظر الشيخ، وربما يكون هناك خلل في عزوه إلى من عزاه إليه، أو نحو ذلك، وعذر الشيخ سيد أنه ينقل هذه الأحاديث عن كتب السابقين، ولم يبذل جهدًا في تحقيقها وتمحيصها، عملاً بالقاعدة التي تقول: كل علم يؤخذ مسلم من أهله.


والثاني: خلاف في المشرب الفقهي بين الشيخ ناصر والشيخ سيد، فالشيخ ناصر أَمْيل إلى اتباع ظاهر النص، والشيخ سيد أقرب إلى اتباع مقصد النص.

والشيخ ناصر لا يبالي بمخالفة جمهور الأئمة المتقدمين، كما في تحريمه الذهب على النساء، والشيخ سيد يحترم غالبًا رأي الجمهور.


وقد ظهر هذا في التعليق الطويل الذي علق به الشيخ ناصر على (زكاة عروض التجارة) في فقه السنة، فهو لم يصح عنده الحديث في زكاتها، ولم يأخذ بقول من قال من الصحابة بزكاتها، ولا بقول جمهور التابعين والأئمة الذي هو كالإجماع على وجوب زكاة التجارة، ولم يأخذ بمقاصد الشريعة التي يستحيل أن توجب الزكاة على الزارع الذي تثمر أرضه خمسة أوساق، وربما كان مستأجرًا لهذه الأرض، ولا يوجب على التاجر الذي يملك الملايين شيئًا، إلا أن (تنضّ) أي تسيل بلغة عصرها، ويحول عليها الحول.
وقد رددنا على الشيخ ناصر قوله بالأدلة الناصعة في كتابنا (المرجعية العليا للقرآن والسنة).

عرفت فضيلة الشيخ سيد سابق أول ما عرفته قارئًا لبعض مقالاته الفقهية في مجلة الإخوان الأسبوعية، ثم للجزء الأول من كتابه في فقه الطهارة، ثم سمعنا أنه قدم للمحاكمة في قضية مقتل النقراشي باشا، حيث زعموا في ذلك الوقت أنه هو الذي أفتى الشاب القاتل عبد المجيد حسن بجواز قتله، عقوبة على حل الإخوان، وكانت الصحف تلقب الشيخ في ذلك الوقت بـ (مفتي الدماء).
والحمد لله، قد برأته المحكمة، وخلت سبيله، ولكنه اعتقل مع من اعتقل من الإخوان في سنة 1949م واقتيد إلى معتقل الطور.
وقد عرفت الشيخ وجهًا لوجه في المعتقل، وفي عنبر رقم (2) الذي كان إمامه الشيخ الغزالي، رحمه الله، وكان الشيخ سيد يعقد حلقات في الفقه بعد صلاة الفجر وقراءة الأدعية المأثورات، كما كان الشيخ الغزالي يعقد حلقات أخرى في الدعوة إلى الله.
ثم عرفته بعد أن خرجنا من المعتقل في ساحة الدعوة إلى الله، وكثيرًا ما زرته في بيته حيث كان يسكن في حارة ضيقة في سوق السلاح، ثم مَنَّ الله عليه فسكن في شقة بجاردن ستي، أظنها كانت ملكًا لبعض اليهود الذين خرجوا من مصر، وذهبوا إلى دولة الكيان الصهيوني.
وقد عملت معه حين كان مديرًا لإدارة الثقافة في وزارة الأوقاف، وكان الشيخ الغزالي مديرًا للمساجد، وكان الشيخ البهي الخولي مراقبًا للشؤون الدينية، وذلك في عهد وزير الأوقاف المعروف الشيخ أحمد حسن الباقوري. وذلك في عهد الثورة.
وظل الشيخ مرموق المكانة في وزارة الأوقاف، حتى جاء عهد وزيرها المعروف الدكتور/ محمد البهي، فساءت علاقته بالشيخين الغزالي وسابق، رغم أنها كانت من قبل علاقة متينة، وسبحان مغير الأحوال.
وقد نقل الشيخان إلى الأزهر، لإبعادهما عن نشاطهما المعهود، وإطفاء لجذوتهما، وقد بقيا على هذه الحال، حتى تغير وزير الأوقاف، ودوام الحال من المحال.
كان الشيخ سيد سابق رجلاً مشرق الوجه، مبتسم الثغر، فكه المجلس، حاضر النكتة، ومما يحكى عنه أنهم حين قبضوا عليه في قضية مقتل النقراشي، وسألوه عن (محمد مالك) الذي ضخمت الصحافة دوره، واعتبروه أكبر إرهابي، وقد اختفى ولم يعثروا عليه فلما سألوا الشيخ: هل تعرف شيئًا عن مالك؟ قال: كيف لا أعرفه وهو إمام من أئمة المسلمين، وهو إمام دار الهجرة رضي الله عنه؟!
قالوا: يا خبيث، نحن لا نسألك عن الإمام مالك، بل عن مالك الإرهابي: قال: أنا رجل فقه أعرف الفقهاء ولا أعرف الإرهابيين.
كان الشيخ الغزالي ونحن في المعتقل، إذا سئل عن مسألة فقهية يحيلها إلى الشيخ سيد سابق، فقد كان هو المعتمد لدى الإخوان في الفقه، ومع هذا كتب الشيخ سيد في العقيدة (العقائد الإسلامية)، وفي الدعوة (إسلامنا) وغيره من الكتب.
انتقل الشيخ في السنين الأخيرة من عمره إلى (جامعة أم القرى) بمكة المكرمة، سعيدًا بمجاورة البيت الحرام، مع نخبة من أجلاء علماء الأزهر، الذين كان لهم دور يذكر ويشكر في ترسيخ جامعة أم القرى ورفع دعائمها، وتعليم أبنائها، وبقى فيها إلى ما قبل سنتين.
وفي سنة 1413 هـ حصل الشيخ على جائزة الملك فيصل في الفقه الإسلامي، وسعدت بمشاركته فيها.
واليوم يودعنا الشيخ، راحلاً من دار الفناء إلى دار البقاء، تاركًا وراءه علمًا نافعًا، وتلاميذ بررة يدعون له بالمغفرة والرحمة، وذكرا طيبًا هو عمر آخر للإنسان بعد عمره القصير.


الشيخ سيد سابق العالم الكبير والداعية والفقيه المصري الجليل، ولد في كانون الثاني 1915 م بقرية “اسطنها” من مركز “باجور” بمحافظة المنوفية، وقد أتم حفظ القرآن ولا يزال صغيراً .

نشأته:

تربى الشيخ سيد سابق في الجمعية الشرعية في مقتبل عمره، على يد مؤسسها الشيخ محمود خطاب السبكي، وتزامل مع الشيخ عبد اللطيف مشتهري، فتشرب محبة السنة، وكانت لهمته العالية وذكائه وصفاء سريرته؛ أثر كبير في نضجه المبكر وتفوقه على أقرانه، حتى برع في دراسة الفقه واستيعاب مسائله، وقد كلفه شيخه بإعداد الدروس الفقهية وتدريسها ولم يكن قد تجاوز التاسعة عشر من عمره.

دراسته وتدريسه:

بعد أن أتم حفظ القرآن التحق بالأزهر في القاهرة، وظل يتلقى العلم ويترقى حتى حصل على درجة العالمية في الشريعة عام 1947م، ثم حصل بعدها على  الإجازة العالية من الأزهر، وبعد تخرجه في المعاهد الأزهرية؛ عمل بالتدريس ثم بالوعظ في الأزهر، ثم انتقل إلى وزارة الأوقاف متقلداً إدارة المساجد، ثم الثقافة، فالدعوة فالتدريب، وبعد ذلك انتقل إلى مكة أستاذاً بجامعة الملك عبد العزيز، ثم بجامعة أم القرى، وأسند إليه رئاسة قسم القضاء بكلية الشريعة، ثم رئاسة قسم الدراسات العليا، ثم أصبح أستاذاً غير متفرغ فيها، وخلال تلك المدة حاضر ودرس الفقه والأصول، وأشرف على أكثر من مئة رسالة علمية وتخرج على يديه كوكبة من الأساتذة الأجلاء و العلماء والدعاة المرشدين.

نشاطه الدعوي:

بايع الشيخ سيد سابق الإمام حسن البنا على العمل للإسلام، ونشر الدعوة، وجمع الأمة على كلمةٍ سواء، وتفقيهها في أمور دينها.

أخلاقه وسجاياه:

كان الشيخ سيد فقيهاً مجرباً محنكاً، مثالاً للعلم الوافر والخلق الرفيع والمودة والرحمة في تعامله، وكان عفيف اللسان، ويمتاز بذاكرة قوية وذكاء مفرط وحضور بديهة، وقد رُزق حسن المنطق في جزالة وإيجاز، وكان ذا روح مرحة، وُضعت له معها المحبة والقبول، وكذلك فإنه يمتاز بوعي شديد، واطلاع دائم على الأحداث والمتغيرات، فإذا ما استجد أمر في الأمة عرض له وبين حكمه في غاية الوضوح، والجرأة.

جهاده:

كان مع علمه وعبادته وكثرة صومه ذا شوق للجها،د وما إن لاحت الفرصة أمامه حتى كان في أول كتيبة في حرب /1948/ مفتياً ومعلماً للأحكام، ومربياً على القيام والدعاء والذكر، وموجهاً إلى حسن التوكل والأخذ بالأسباب، ومحرضاً على الفداء، ومدرباً على السلاح.

الشيخ سيد سابق فقيهاً ومفتياً:

اشتغل الشيخ سيد بالفقه أكثر من غيره من الدعاة الأزهريين، لأنه وجده أليق بتخصصه في كلية الشريعة ، وقد بدأ كتاباته الفقهية في مجلات أسبوعية منوعة، على شكل مقالات، فبدأ بفقه الطهارة معتمداً على كتب (فقه الحديث) وهي الكتب التي تهتم بأحاديث الأحكام مثل كتاب (سبل السلام) للإمام الصنعاني، وكتاب (نيل الأوطار) للشوكاني، ومستفيداً أيضاً من كتاب (الدين الخالص) لشيخه محمود خطاب السبكي، وكتاب (المغني) لابن قدامة، وكتاب (زاد المعاد) لابن قيم الجوزية.

منهج الشيخ سيد سابق في الفقه:

تميز منهجه بميزات جعلته قريباً من الناس ومقبولاً لديهم وأبرز هذه الميزات:

1-  طرح التعصب للمذاهب مع عدم تجريحها.

2-  الاستناد إلى أدلة الكتاب والسنة والإجماع.

3-  الميل إلى التيسير بعيداً عن تعقيد المصطلحات وعمق التعليلات.

4-  الترخيص للناس فيما يقبل الترخيص، استناداً لحديث (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه).

5-  البعد عن ذكر الخلاف إلا مالا بد منه، واختيار الأرجح، أو ترك الترجيح إذا تكافأت عنده الأقوال والأدلة.

6-  التنبيه على الحكم والفوائد من النصوص النبوية.

اهتمامه بالفقه وعنايته به:

كتب الشيخ سيد سابق الجزء الأول من كتابه الذي سماه (فقه السنة) في أواسط الأربعينيات، وكان في فقه الطهارة، وقد صدّره بمقدمة للإمام حسن البنا تنوّه بمنهج السيد سابق في الكتابة، وتشيد بحسن طريقته في عرض الفقه، وتجيد بها، إذ أن الفقه من أعظم القربات إلى الله في نشر الدعوة الإسلامية وبث الأحكام، حتى يكون الناس على بينة من أمرهم في عباداتهم وأعمالهم، وليكون حافزاً لهم على الاستزادة من المعرفة والإقبال على العلم.

مكانة كتاب فقه السنة:

لقد سدّ كتاب (فقه السنة) فراغاً في المكتبة الإسلامية في مجال الأحكام التي تؤخذ من الأحاديث مباشرة وفي مجال الفقه عموماً، الفقه الذي لا يتعصب لمذهب من المذاهب، ولهذا لقي القبول والاستحسان من الناس .

المآخذ على كتاب فقه السنة:

1- انتقد بعض أصحاب المذاهب الكتاب واعتبروه دعوة إلى (اللامذهبية). وقد رد الشيخ يوسف القرضاوي على ذلك بأن المؤلف وإن لم يلتزم مذهباً معيناً، لا يعد من دعاة اللامذهبية، لأنه لم يذّم المذاهب الأخرى، ولم ينكر عليها، بل كان يذكر في كتابه أقوال المذاهب .

2- كما أخذ عليه أنه لم يعط فقه المقارنة بين المذاهب حقه في مناقشة الأدلة النقلية والعقلية والموازنة العلمية بينها، وأُجيبَ عن هذا المأخذ بأن السيد سابق لم يكتب كتابه للعلماء ولا للفقهاء خصيصاً، بل كتبه لجمهور المتعلمين، الذين يحبذون فكرة التيسير سواء في الشكل أو بالمضمون.

3- كما أخذ عليه إيراده أحاديث ضعيفة، لم يعزها إلى مصادرها الحديثية الصحيحة، وأجيب عن هذا المأخذ بأن الشيخ سيد ينقل عن كتب السابقين، اعتماداً على القاعدة العلمية (كل علم يؤخذ عن أهله مسلّم به)، وكان أشد المعارضين لمنهجه هذا الشيخ ناصر الدين الألباني حيث تناول ذلك النقد في كتابه (إتمام المنة في التعليق على فقه السنة) والشيخ الألباني يميل إلى ظواهر النصوص، ولا يميل إلى التأويل والتعليل، بينما كان منهج السيد سابق يميل إلى اتباع مقصد النص، ويبحث عن العلة والتأويل بشروطه العلمية عند جمهور الفقهاء، فقد خرج الشيخ ناصر على إجماع جمهور العلماء حرم الذهب على النساء وهو مباح للنساء بالنصوص الشرعية الثابتة، وقد ابتعد الشيخ ناصر عن مقاصد الشريعة وغاياتها، حينما ادّعى بأنه لا زكاة في عروض التجارة، وزعم أنه لم يصح في ذلك حديث، مع أن الصحابة والتابعين وجمهور أهل العلم قد قالوا بوجوبها.

مكانة الشيخ وفضله:

يَعرِف للرجل مكانته وفضله، كل من عاشره أو تتلمذ على يديه، فقد تخرج على يديه كثير من الشخصيات العلمية، التي أصبحت ذات صيت وسمعة كبيرة، ومن هؤلاء الدكتور يوسف القرضاوي والدكتور أحمد العسال والدكتور عبد الستار فتح الله وآخرون من علماء مكة أمثال الدكتور صالح بن حميد والدكتور العلياني.

لقد كان الشيخ سيد في شبابه محل ثقة علماء كبار، من أمثال الشيخ محمود شلتوت والشيخ محمد أبو زهرة والشيخ محمد الغزالي، مما جعل بيته محطة رائعة يقصدها شخصيات كبيرة، من أمثال الشيخ عبد الجليل عيسى والشيخ منصور رجب والشيخ الباقوري وكان قوله فصل بين المختلفين في المسائل الشرعية.

أهم مؤلفاته:

1- العقائد الإسلامية.

2- مصادر القوة في الإسلام.

3- تقاليد وعادات يجب أن تزول في المآتم.

4- تقاليد وعادات يجب أن تزول في الأفراح والمناسبات.

5- رسالة في الحج.

6- رسالة في الصيام.

وغير ذلك من الكتب والأبحاث العلمية.

أواخر حياته:

استقر الشيخ سيد سابق في القاهرة قبل ثلاث سنوات من وفاته، وأصرّ على نشر العلم والدعوة في مساجدها، رغم حالته الصحية ونُصحِ الأطباء له بالراحة.

وظل منارة حق وخير للناس حتى وافاه الأجل في 27 / شباط /2000 عن عمر يناهز الخامسة الثمانين.

كلام الشيخ الألباني في مقدمة تمام المنة عن كتاب فقه السنة  :
(أما بعد ، فإن كتاب فقه السنة للشيخ سيد سابق من أحسن الكتب التي وقفت عليها مما ألف في موضوعه ، في حسن تبويب ، وسلاسة أسلوب ، مع البعد عن العبارات المعقدة التي قلما يخلو منها كتاب من كتب الفقه ، الأمر الذي رغب الشباب المسلم في الإقبال عليه والتفقه في دين الله به ، وفتح أمامهم آفاق البحث في السنة المطهرة ، وحفزهم على استخراج ما فيها من الكنوز والعلوم التي لا يستغني عنها مسلم أراد الله به خيرا كما قال ” صلى الله عليه وآله ” : ” من يرد الله به خيرأ يفقهه في الدين ” ، متفق عليه ، وهو مخرج في ” سلسلة الأحاديث الصحيحة ” ( 1194 ) .
ولقد كان صدور هذا الكتاب – فيما أرى – ضرورة من ضرورات العصر الحاضر ، ث تبين فيه لكثير من المسلمين أن لا نجاة مما هم فيه من الانحراف والاختلاف والانهيار وتغلب الكفار والفساق عليهم إلا بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ” صلى الله عليه وآله ” ، يأخذون منها فقط ومن القران أمور دينهم ومسائل فقههم ، فكان لهذا لا بد لعامتهم من مصدر قريب التناول ، يمكن الاعتماد عليه ، والرجوع إليه حين يقتضيهم الأمر ، ويغنيهم عن المراجعات الكثيرة في الموسوعات العديدة من أجل مسائل قليلة أو كثيرة . فكان أن ألهم الله تعالى الأستاذ السيد سابق فأخرج لهم هذا الكتاب ” فقه السنة ” فقرب لهم الطريق وأنار لهم السبيل جزاه الله خيرا . . من أجل ذلك كنت ولا أزال أحض على اقتنائه والاستفادة مما فيه من السنة والحق – ومنذ صدور الجزء الأول منه من الحجم الصغير القديم – كل راغب في السنة وناصر للحق ، حتى انتشرت نسخه بين صفوف إخواننا السلفيين وغيرهم في دمشق وغيرها من البلاد السورية وغيرها …)

 

تعليق واحد


  • غير معروف

    العلامة الالباني رحمه الله كتب كتابه تمام المنة في التعليف على فقه السنة للشيخ سابق ولم نجد جوابا منه لا تأيدا ولا انكارا وقد ذكر الالباني في اخر ماكتب في تعليقه (في من مات وعليه صيام كلاما موجها للشيخ سابق يحسن الرجوع اليه )
    ثم وجدنا ان ابن الشيخ سابق الف فقه السنة في اربع مجلدات استفاد هو من انتقادات الالباني رحمه الله ولم يتقيد بما كتبه والده (سيد سابق)


اترك ردا

بدريك الإلكتروني لان يتم نشره.


قناة فتاوى أون لاين

تم إنشاء قناة جديدة تحت عنوان فتاوى أون لاين للإجابة على الفتاوى الشرعية
رابط الانضمام

رابط تيليجرام

الواتس اب

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر

السيرة الذاتية للدكتور حسين عامر مشرف الموقع

هو الشيخ  الدكتور/ حسين محمد عامر من مواليد بلبيس بمحافظة الشرقية -مصر-عام 1976 م . الشهادات العلمية : 1- أتم حفظ القرآن وهو ابن الرابعة عشر عاما ، وحصل على إجازة برواية حفص بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على يد شيخه يوسف عبد الدايم -رحمه الله- . 2-  حصل على الإجازة

تاريخ الإضافة : 14 مايو, 2024 عدد الزوار : 554 زائر

خطبة الجمعة

تفسير القرآن العظيم

شرح صحيح البخاري

شرح مدارج السالكين